"التصويت المفيد" عبّد طريق قرطاج لقيس سعيّد

ترجيح كفة سعيّد يحيل إلى أن الناخب التونسي وجّه بوصلته نحو ما يسمى بـ"التصويت المفيد" على قاعدة اختيار غير الفاسد أي النقي سجلّه من السوابق والقضايا.
الثلاثاء 2019/10/15
سعيّد يكتسح الدور الثاني من الرئاسية

حسم التونسيون الأحد أمر الرئيس المقبل، بتصويت أكثر من 70 بالمئة من المسجلين في دفاتر الانتخابات لفائدة الخبير في القانون الدستوري قيس سعيّد على حساب منافسه رجل الإعلام وصاحب القناة التلفزيونية “نسمة” نبيل القروي والذي غادر السجن قبل يومين فقط من بدء العملية الانتخابية بسبب قضايا التهرب الضريبي التي تلاحقه. ولم تكن هذه النتائج مفاجئة وذلك لتراكم العديد من الأسباب السياسية أو التي رافقت الحملة الانتخابية، لكن رغم ذلك يوجد إجماع على أن سعيّد تمكن في وقت وجيز من صناعة ظاهرة كسرت قطبية المدارس السياسية التقليدية وكذلك خلقت مزاجا شعبيا مغايرا أحيا شعار التصويت المفيد على اعتبار أن من صوتوا لفائدته رفعوا شعار”لا للفاسد، نعم للطاهر”.

تونس – حقّق الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد الذي فاز الأحد بنتائج الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية على حساب منافسه نبيل القروي، إنجازا هاما هو الأول في تونس وتمثّل في حصوله على ما يفوق نسبة 70 بالمئة من أصوات الناخبين وهو ما سيمتّن شرعيته في السنوات الخمس المقبلة التي يعتلي فيها عرش الحكم.

وقُدر الخزان الانتخابي الذي صوت لفائدة قيس سعيّد بأكثر من ثلاثة ملايين ناخب تونسي وهو ما يمنحه آليا شرعية صلبة لم يتمكن من حصدها أي من الرؤساء الذين سبقوه في الوصول إلى قصر قرطاج عبر صندوق الاقتراع بعد ثورة يناير 2011.

وتمكن قيس سعيّد من تصدّر نتائج الدورة الرئاسية الأولى التي أقيمت في شهر سبتمبر الماضي حيث حصل على 18.4 في المئة من الأصوات متفوقا على مرشحين يمثلون الطبقة السياسية التقليدية العلمانية والإسلامية حكما ومعارضة والتي لم تستطع تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.

وتشي كل القراءات الأولية للخزان الانتخابي الذي صوّت لسعيّد بأن الرجل تمكن خاصة في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية من إحاطة نفسه بحزام شعبي وسياسي خاصة أن بعض الأحزاب التقليدية التي انهزم مرشّحوها في الدور الأول قد أعلنت عن توجيه ناخبيها للتصويت لفائدة رجل القانون الدستوري.

خطاب الثورة

انتفاضة الصندوق في تونس نتاج لخيارات مبنيّة على التصويت لـ"النظيف"
انتفاضة الصندوق في تونس نتاج لخيارات مبنيّة على التصويت لـ"النظيف"

تفيد المعطيات المتوفّرة قبل صدور النتائج النهائية من قبل هيئة الانتخابات، التي اكتفت الاثنين بإعلان نتائج أولية في انتظار النظر في الطعون المقّدمة إن وجدت من قبل نبيل القروي، بأن قيس سعيّد قد تمكن أيضا في الجولة الثانية من جر ما يقارب 31 بالمئة من الناخبين الجدد الذين لم يصوتوا في الدور الأول من الرئاسية ولم يتوجهوا أيضا إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية.

ويطرح الاكتساح الذي حققه سعيد في الجولة الثانية العديد من التساؤلات حول خيارات الناخب التونسي الذي لجأ هذه المرة لمعاقبة كل الوجوه “القديمة” في السياسة، لكن ترجيح كفة سعيّد على القروي الذي يعتبر من جهته من الوجوه الجديدة الصاعدة في عالم السياسية، يحيل وفق المتابعين إلى أن الناخب التونسي اختار هذه المرة بطريقة شعبية توجيه بوصلته نحو ما يسمى بـ”التصويت المفيد” على قاعدة اختيار غير الفاسد أي الشخص الذي لا تتعلق به أي شبهات أو قضايا فساد.

وعُرف مصطلح “التصويت المفيد” في تونس خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية التي جرت في عام 2014 والتي فاز فيها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس بالسلطة عبر صناديق الاقتراع على حساب المنصف المرزوقي وكذلك حركة النهضة، حيث كانت المعركة السياسية في تلك الفترة قائمة على شعارات اختيار الدولة المدنية التي يمثلها العلمانيون أو الدولة الدينية التي تمثلها حركة النهضة الإسلامية.

ويعتبر المراقبون أن قيس سعيّد استفاد كثيرا في الدور الثاني من تنافسه مع نبيل القروي الذي قبع طيلة أسابيع في السجن بسبب قضايا التهرب الضريبي التي تلاحقه ولم يتم إطلاق سراحه إلا سويعات قليلة قبل فتح مكاتب الاقتراع للانتخاب وتحديدا ليل الخميس الماضي.

ومثلت المناظرة السياسية التي تواجه فيها المتنافسان سعيّد والقروي مفتاحا هاما، دفع بالكثير من الناخبين غير المسيّسين إلى حسم اختياراتهم خاصة لما خرجوا به من استنتاجات عندما طُرح ملف الفساد في المحور الثالث من المناظرة الذي كان مخصصا للتوجهات العامة لكل مرشّح، فأثرت وفق الملاحظين، القضايا التي تلاحق القروي على نوايا التصويت خاصة أن رجل القانون الدستوري لا تتعلق به أية قضايا، فتم الاختيار وفق قاعدة “غير الفاسد”.

ظاهرة لافتة

صوّتت لقيس سعيّد أيضا، وفق ما تظهره قراءات شركات سبر الآراء للنتائج الأولية، قواعد أحزاب سياسية مختلفة المشارب، وتعد هذه المرة الأولى منذ ثورة 2011 التي تلتقي فيها مدارس سياسية مختلفة التوجهات الفكرية حول مرشح واحد، حيث دعم الإسلاميون ممثلين في حركة النهضة وائتلاف الكرامة وكذلك المحافظون عبر التيار الديمقراطي واليساريون عبر حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والتيار القومي عبر حركة الشعب والعلمانيون عبر جزء هام من خزان حزب تحيا تونس المرشح قيس سعيّد، فيما لم يستفد القروي سوى من الخزان الانتخابي الذي استقطبه حزبه قلب تونس في الانتخابات التشريعية.

وتتصاعد في تونس حدّة المخاوف من أن يلتفّ الحزام السياسي الذي دعم قيس سعيّد على قاعدة شعارات الثورة على النجاحات التي حققها الرئيس الجديد شعبيا وسياسيا. وقد دفعت بعض الأحزاب سويعات قليلة بعد إعلان النتائج للاستحواذ على شرعية سعيّد برفع أعلام أحزابها في التظاهرات الاحتفالية التي نظمت بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة ومنها على وجه التحديد أنصار حركة النهضة وكذلك ائتلاف الكرامة (تجمع انتخابي يضم وجوها سلفية).

لكن قيس سعيّد سارع بدوره خلال أول ندوة صحافية عقدها لإعلان فوزه بالرئاسة إلى التأكيد على أنه دخل مسار الانتخابات مستقلا وأنه سيظل كذلك وبأنه سيكون رئيسا لكل التونسيين، لكن ما حصل خلال الاحتفالية التي تم خلالها تعنيف عدد من الصحافيين والصحافيات من قبل أنصار سعيّد، دفع بالمحللين إلى إعادة الحديث عمّا يعرف في تونس بـ”ميليشيات روابط حماية الثورة” التي تورطت خلال فترة حكم “الترويكا” في تعنيف الصحافيين والمثقفين والمبدعين والنقابيين في أكثر من حراك احتجاجي عبر عن رفض الدفع بالبلاد نحو الأسلمة.

ويُجمع العديد من الخبراء في السياسة أو في القانون الدستوري في تونس أيضا على أن نجاح قيس سعيّد بنسب عالية حرّره نهائيا من سطوة الأحزاب التي تريد الركوب على ما حققه من إنجاز.

وترى العديد من المراجع السياسية أنه من الناحية المنطقية والدستورية لم يعد بحوزة أي طرف سياسي أن يستحوذ على قيس سعيّد الذي بات بإمكانه الآن أن يكون رئيسا جامعا لكل التونسيين دون الرجوع أو الركون إلى إملاءات أي حزب سياسي.

وينصّ الدستور التونسي على أن صلاحيات رئيس الجمهورية تنحصر في نقاط رئيسية ثلاث وهي أنه الضامن الأول لتطبيق الدستور والمسؤول الأول عن السياسة الخارجية والأمن القومي لتونس.

لكن النخب السياسية تتخوف من التقارب الذي يجمع سعيّد ببعض الأحزاب والتكتلات السياسية الإسلامية خاصة في علاقة بالسياسة الخارجية التي يصفها البعض بأنها عدائية لبعض الدول الخارجية ومنها فرنسا. وترى هذه النخب أن سعيّد سيكون بعد أدائه اليمين الدستورية أمام اختبار هام لامتحان مدى استقلاليته عن كل الأطراف السياسية التي تتسابق لضم مؤسسة الرئاسة ضمن حساباتها وأجنداتها السياسة الداخلية والإقليمية.

للمزيد: 

7