التصويرية السردية التيار المناهض للمنظومة

حركة تميزت بالثورة على الفنون السائدة ونقد مجتمع الاستهلاك.
السبت 2020/07/11
نقد لاذع للأنظمة الرأسمالية

التصويرية السردية هي تيار فني ظهر في مطلع الستينات بفرنسا، في إطار العودة إلى التصويرية ومعارضة التجريدية والحركات المعاصرة كالواقعية الجديدة والبوب آرت. وقد تميّزت الحركة بالثورة على الفنون السائدة والالتزام السياسي.

التصويرية السردية التي ظهرت في فرنسا في مطلع الستينات لم تتأسّس وفق مانيفستو يوحّد بينها ويستعرض غاياتها، بل كان أعضاؤها يلتقون في رغبة مشتركة ألا وهي العودة إلى الفن كسردية، أيّا ما تكن بساطته والتزامه، وقد اتخذت أعمالهم طابعا سياسيا ومجتمعيا في بلد كان يعيش هزات حرب الجزائر وحرب فيتنام وأزمة مايو 1968، ولم يكن كل واحد منهم مطالبا بغير تقديم ميثولوجياته الشخصية.

تشكّلت الحركة يوم نظّر لها الناقد جيرالد غاسيو طالابو بمناسبة معرض “ميثولوجيات يومية” أقيم في متحف الفن المعاصر بمدينة باريس في يوليو 1964، شارك فيه أربعة وثلاثون فنانا أُدرجوا في ما بعد تحت لافتة “التصويرية السردية”، وكان في مقدّمتهم برنار رانسيّاك، وهيرفي تيليماك.

حركة الحياة الثمينة

عالم معقّد ومتسارع
عالم معقّد ومتسارع

جاء في تقديم الناقد الذي أدان بشدة زحف المدرسة الأميركية بدعم من عدة أروقة فرنسية، أن الحركة “تريد تصوير واقع يومي ما انفك يتعقّد، واستعراض الأشياء التي تقدّسها حضارة تميل إلى عبادة المواد الاستهلاكية، وفضح الحركات العنيفة لنظام قائم على القوة والحيلة، والتحركات والإنذارات التي تصدم يوميا الإنسان المعاصر”.

ويوضّح البيان أن الفنانين المجتمعين قادمون من آفاق تشكيلية مختلفة، ولا علاقة بينهم إلاّ من خلال مجموعات صغيرة، ولكنهم يحملون معا معنى “حركة الحياة الثمينة”، وهو ما يميّزهم عن السخرية الجامدة للبوب الأميركي، كما يقول غاسيو طالابو.

ذلك أنهم عارضوا البوب آرت الأميركي بدعوى أنهم فائقو الشكلية والهيمنة، مستهينون بالصراعات السياسية التي تشهدها المرحلة، قليلو النقد لمجتمع الاستهلاك، رغم أن أنصار التصويرية السردية يستعملون أحيانا تعابير شكلية مماثلة.

وفي تصوّرهم أن الفن لا يمكن أن يكون ساخرا، على غرار الأميركان، ولا أن يتجنب الواقع، كما هو الشأن مع التجريديين، بل أن يكون ملتزما بقضايا المجتمع، ينقل معيشه اليومي، وينبّه إلى مخاطر الحداثة، وتجاوزات السلطة التي تفرض على الفرد تصوّراتها وبرامجها.

فقد كانوا مناضلين في وجه من الوجوه، لاعتقادهم أن للفنان دورا في المجتمع لا بدّ أن ينهض به، رغم أن رسالتهم لم تلق الاستجابة المنشودة، بل إن بعض النقاد مثل بيير ريستاني (راعي الواقعية الجديدة) وصفهم بـ”السترات السوداء” وهي مجموعة روك كان لها حضور بارز في الخمسينات.

الفن عند أنصار التصويرية السردية عليه أن يكون ملتزما بقضايا المجتمع، ينقل معيشه اليومي وينبه إلى مخاطر الحداثة

ظهرت هذه الحركة، التي أعادت السردية إلى الفن بعد اختفائها من الفن المعاصر، في فترة متقلبة حتى في المجال الفني، فمنذ نهاية الخمسينات صارت مدرسة باريس محل انتقاد من الواقعيين الجدد، الذين كانوا يريدون فنا منبثقا من هذا العالم الجديد الذي بدأ يعرف بمجتمع الاستهلاك.

التململ نفسه حدث في نيويورك حيث تهيمن التعبيرية التجريدية، عن طريق خلط الأجناس لدى روبرت روشنبرغ، والصقل بالشمع عند جاسبر جونس إضافة إلى أعمال محايدة جعلت علم الولايات المتحدة وخارطتها هدفا لها.

ومن تلك الإرهاصات التي عرفت وقتها بالدادائية الجديدة، تم الانتقال بسرعة إلى البوب: بوب نيويوركي لدى أندي وارول، وروي ليشتنشتاين، وجيمس روزنكويست؛ وبوب بريطاني لدى رتشارد هاملتون، وبيتر بلاك أو ديفيد هوكني.

أي أن التصويرية السردية وُجدت في وقت كانت الواقعية الجديدة والبوب آرت تتصدران الواجهة، رغم أنها لا تلتقي معهما إلاّ في رفض الفن على طريقة مدرسة باريس أو نيويورك. بل إن المنتسبين إليها أنفسهم كانوا منقسمين إلى فريقين، فريق نواة التأسيس للميثولوجيات اليومية وعلى رأسه رانسيّاك، وتيليماك. وفريق المنقلبين على صالون الفن الشبابي، وفي مقدّمته الإسباني الهارب من نظام فرانكو إدواردو أرّويو.

وقد سمّوا كذلك لأنهم طَردوا من لجنة الفرز فيه الفنانين التصويريين المعتدلين، وجعلوا اختياراتهم قائمة على معايير سياسية، فقد كانوا كلهم من اليسار المتطرف، فأرّويو مثلا كان يرى أن أهم شيء هو إخضاع الفن للمشاغل الأيديولوجية عوض الاعتبارات الجمالية. بل إن بيير بوراليو، أحد الانقلابيين، رفع قضية أيديولوجية ضدّ بيير سولاج، بدعوى أن لوحاته ليست تصويرية ولا ملتزمة.

قتل دوشامب

لوحات تسرد واقعا يوميا ما انفك يتعقد
لوحات تسرد واقعا يوميا ما انفك يتعقد

في صيف 1964، أي عقب المعرض الذي أقيم في باريس، كان أرّويو، والإيطالي ليوناردو كريمونيني، والأيسلندي غومندور غومندسون الشهير بإيرّو، والفرنسي جان جاك لوبيل من بين المشاركين في معرض “الفن والثورة الجزائرية” في الجزائر العاصمة، وقد شكّلت أعمالهم نواة متحف الفن المعاصر بالجزائر.

ففي ظرف بلغت فيه الحرب الباردة أوجها، ودخلت الولايات المتحدة في حرب ضدّ فيتنام، وثار السود الأميركان للحصول على حقوقهم المدنية، ورفض سارتر جائزة نوبل لكونها مخصّصة لبلدان العالم الرأسمالي، كان الالتزام السياسي هو النبراس الذي يقود التصويرية السردية.

وفي مطلع 1965، شهد صالون الفن الشبابي تحولا راديكاليا بوصول أرّويو وهنري كويكو إلى الهيئة المديرة، إذ جعلت الحركة في نشريتها مفهومها للفن وسيلة للصراع الأيديولوجي، وأعلنت عن مشاركات قادمة لفنانين من الصين وكوبا والجزائر والاتحاد السوفييتي، وسرعان ما وجهت سهامها للفن الطلائعي، ولاسيما علمها الأبرز مارسيل دوشامب، وكذلك الهيمنة الأميركية.

وقد أحدث أرّويو، وجيل أيّو، والإيطالي أنطونيو ريكالكاتي فضيحة بنشرهم عملا مشتركا بعنوان “عش ودعه يموت أو الموت المأساوي لمارسيل دوشامب”، وهو عبارة عن ثماني لوحات تمثل قتل دوشامب رمزيا تعبيرا عن معاداتهم للفن الذي دعا إليه هذا الفنان الطلائعي، “رمز التحريف الفكري والثقافة البورجوازية التي تخدّر الطاقات الحية وتوهم باستقلالية الفن وحرية الإبداع، ولكل من يدعي الانتماء إليه” في رأيهم.

هؤلاء الفنانون، الذين ينتمون كما أسلفنا إلى اليسار واليسار المتطرف، ساهموا مساهمة فعالة في أحداث مايو 68، عن طريق إعداد معلقات خاصة بالتظاهرات، يندّدون فيها برموز السلطة القائمة.

وقد أثارت تلك المعلقات اهتمام عدد من المفكرين، مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز اللذين علقا على أعمال جيرار فرومانجي، وجاك دريدا الذي حلّل أعمال فاليريو آدامي، ولويس ألتوسير الذي اهتم بلوحات ليوناردو كريمونيني، وبول فيريليو الذي اشتغل على لوحات بيتر كلازن، وجان فرنسوا ليوتار الذي توقّف عند معلقات جاك مونوري.

وفي عام 1969، أنجز جيل أيّو، وإدواردو أرّويو، وفرنسيس بيراس، وفابيو رييتي، ولوتشو فانتي لوحة عنوانها “داتشا” تمثل الفلاسفة كلود ليفي ستروس، وجاك لاكان، وميشيل فوكو، ورولان بارت، ولويس ألتوسير ردّا لجميلهم. ولعل أكبر حدث هو ما جرى عام 1972 عند عرض “المشوي الكبير أو اثنتي عشرة سنة من تاريخ فرنسا”، ويضم خمسين لوحة تدين سياسة الحكومة.

والخلاصة أن التصويرية السردية تيار تعبيري يحدّ من حقل التصويرية الجديدة لأنه يعتبر سردا كل أثر يجعل مرجعيته تمثلا على مدة طويلة، إما عبر نقل أشياء داخل القماشة، أو عبر مقاطع حتى وإن كانت في شكل متعدد الأوجه، ويعمل في الغالب على أن يعيد للفن وظيفة سياسية ونقدية لمجتمع الاستهلاك.

ومن بين مصادر إلهامه في التأطير والتركيب، نذكر الأشرطة المصوّرة والسينما والتصوير الشمسي والإعلانات الإشهارية، وكل ما يمثل صورة عن المعيش اليومي، فالثيمات غالبا ما تكون مرتبطة بمشاهد الحياة اليومية وبالمطالب الاجتماعية والسياسية.

أما من جهة المصطلح فلكون أتباع هذا التيار يعتقدون بأنهم إنما يسردون من خلال أعمالهم وقائع الحياة اليومية، في شتى تمظهراتها، فالفن من وجهة نظر أرّويو مثلا “هو نوع من الأدب، فيه بداية وخاتمة وشخصيات وعقدة كما في الروايات، إذن فهي سردية، وكأني من خلال أعمالي كتبت خمس عشرة رواية”.

15