التضحيات واللاتضحيات

ليس من العدل أن يمارس الآخرون أنانيتهم معنا ويسلبون حقوقنا باسم الحب.. لأن الحب لن ينتصر في النهاية حين نفعل ما لا نريد وما لا نحب من أجل آخر يطالبنا بالتضحية.
الأربعاء 2018/03/21
الأم تبقى المثال الأول للتضحية

تضعنا الأقدار والمواقف أحيانا بين خيارين لا ثالث لهما.. نكون فيها إما مضحين أو أنانيين.. دون أن تجد التسوية مكانا للحل الوسط الذي تتلاشى عنده الحدود الصارمة ما بين الأبيض الناصع والأسود الفاحم.. والذي يصبح كل شيء عنده قابلا للمرونة والنقاش..

وعلى الرغم من أنه ثمة من يؤمن بأن الحب يصنع المعجزات وأن للحب وحده القدرة على تذليل العقبات وإذابة الحواجز.. إلا أن الحد الفاصل بين الأنانية والتضحية قد يشخص فجأة دون سابق تحذير أو إنذار وقد يقف أمامه الحب عاجزا عن فعل المعجزات إلا بتضحية من طرف لأجل الطرف الآخر وليس لأجل الحب..

وثمة قصص كثيرة على ذلك.. ومن قصص التضحيات مثلا فكرة تضحية الجندي بحياته من أجل الذود عن حياض الوطن ومن أجل سلامة الآخرين وأمنهم.. فهو يضع الواجب نصب عينيه لاغيا كل ما قد يترتب على تضحياته من نكبات شخصية أو كوارث.. سواء أكان مخيرا في تأدية واجبه صوب وطنه أم مسيرا.. وتلك قضية كبيرة وحمالة أوجه ولا مجال للخوض فيها هنا..

ومن الأمثلة التي تضرب في التضحيات أيضا ما تقدمه الأمهات لأبنائها.. وهي قصص لا أول لها ولا آخر.. وفي الأغلب الأعم منها تكون الأم هي أولى المضحين التي تنذر وقتها وجهدها وحياتها وأمنها وراحتها من أجل راحة أبنائها وصحتهم ومستقبلهم.. فهي تؤثر اهتمامها بهم على اهتمامها بنفسها وحياتها واهتماماتها.. وكثيرات هنّ الأمهات اللواتي يلغين حياتهن ويكرّسنها برمتها لحياة الأبناء وهنّ سعيدات غير آسفات على ما يفعلن..

أما في العلاقات العاطفية.. فإن الأمر يختلف.. ومما لا شك فيه أن المرأة في عالمنا مازالت هي الحلقة الأضعف في منظومة المجتمع الذكوري الذي مازالت سلطة الأب تحكم عاداته وتقاليده.. ولذا فقد تكون التضحية صفة عامة تتصف بها المرأة في مقابل أنانية الرجل.. إلا أن لهذا الأمر أيضا أبعاده الأخرى واستثناءاته.. وطالما أنها قصص إنسانية فهي واسعة وكثيرة في تشعبها وتباينها..

وفي المواقف الحاسمة التي لا يوجد فيها الحل الوسط علمتني التجارب هذه الحكمة: لا تؤثر سواك على نفسك باسم الحب مهما كانت الأسباب.. فليس من العدل أن يمارس الآخرون أنانيتهم معنا ويسلبون حقوقنا باسم الحب.. لأن الحب لن ينتصر في النهاية حين نفعل ما لا نريد وما لا نحب من أجل آخر يطالبنا بالتضحية.. فذلك سيجعلنا في النهاية عاجزين عن تقديم ما هو حقيقي وصميمي للعلاقة.. إلا إذا كنا لا نجيد تقييم أنفسنا ولا نعرف كيف نمنحها حق قدرها.. لأننا إذا لم نحببْ أنفسنا بما يكفي فلن يكون باستطاعتنا أن نحبّ الآخرين.. ففاقد الشيء لا يعطيه..

تقول الكاتبة الأميركية سوزان وينتر “ليس صحيحا أن الحب وحده يكفي لبناء وترميم كل شيء.. فذلك ممكن فقط حين يكون العاشقان متماسكين متحدين مثل شخص واحد يحمل أهدافا موحّدة.. أما حين يرغب الآخر بما لا ترغب أنت فيه.. فلن يستطيع الحب أن يقدم لك أي تسوية!”.

وأخيرا فإن ذلك لا يعني بأيّ حال التحريض على الأنانية واللاتضحية واللاعطاء.. وإنما هو تذكير فقط بقدراتنا كبشر على فهم أنفسنا وإنصافها قبل التفكير غير المشروط بإنصاف الآخرين..

صباحكم حبٌّ دائمٌ..

21