التضحية بالمشيشي لا تحل أزمات قيس سعيد والغنوشي

لا حل في الأفق ما لم يتنازل الفرقاء عن شروطهم المسبقة.
الأحد 2021/06/13
لا أحد يمكنه رفع سقف التفاؤل

رئيس الحكومة التونسية يريد جميع الخصوم أن يحمّلوه مسؤولية الأزمة التي تعيشها البلاد بالرغم من أنه مسؤول تنفيذ عيّنه رئيس الجمهورية قيس سعيد، ويشرف البرلمان ورئيسه راشد الغنوشي على حكومته ويضعون لها سقف تحركاتها. الجميع يبحث عن كبش فداء للتنفيس عن الأزمة السياسية والاقتصادية والصحية، لكن الأزمة لا تحلّ سوى بحوار اشمل يبدأ من تنازل الجميع وأوّلهم رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان على شروطهم المسبقة.. فلا تحل معركة الرؤوس بين الغنوشي وسعيد بإسقاط المشيشي.

تصاعد الأوضاع بشكل غير متوقع ينبئ بأن مكاسب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي التي حققها في الأسابيع الأخيرة قد تتلاشى فجأة بسبب توترات سياسية واجتماعية طارئة نجح خصومه في تحويلها إلى ورقة ضده، وهو وضع قد يقوده إلى التضحية برئيس الحكومة هشام المشيشي لإظهار الرغبة في إنجاح الحوار الوطني، وفتح قناة تواصل متينة مع الرئيس قيس سعيد.

وبات المشيشي بوصفه رئيسا للحكومة ووزيرا للداخلية قبلة لغضب شعبي واسع بعد سريان فيديو عن قيام عناصر من الشرطة بنزع ثياب أحد الفتيان والتجوال به عاريا بين الناس. وفشل بيان للداخلية يقول إن الفتى، ذي الخمسة عشر عاما، قد كان في حالة سكر مطبق وأنه هو من خرج عاريا إلى الشارع في تهدئة الغضب خاصة أن الفيديو الذي راج على نطاق واسع يقول العكس تماما.

بعد ذلك قالت الوزارة إنها أوقفت الشرطيين المتورطين وأنها فتحت تحقيقا جديا في الحادثة، وتتالت التصريحات التي تتبرأ من العملية من المشيشي نفسه ومن البرلمان ومن حركة النهضة، خاصة أن الحادثة سبقتها حادثة أكثر عنفا بعد تسريبات عن مقتل شاب متهم بالترويج للمخدرات تحت التعذيب، ثم محاصرة عمال إحدى المحليات التي يرأسها محام محسوب على النهضة لإذاعة محلية انتقدت أداء هؤلاء العمال. وقاد هذا إلى تحرك إعلامي وشعبي واسع مندد بهذه العمليات المتزامنة انطلق من مواقع التواصل الاجتماعي ثم نزل إلى الشارع.

وركبت الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية والحقوقية على الموجة ولو متأخرا وحمّلت رئيس الحكومة مسؤولية الحادث وطالبت بإقالته لكونه وزيرا للداخلية واتهمته بالتساهل وأن فترة إدارته للوزارة انحرفت بالمؤسسة الأمنية عن مهامها.

وظهر الرئيس التونسي في أقصى درجات الغضب خلال كلمة مسجلة للقاء بينه وبين المشيشي ووزيرة العدل المؤقتة حسناء بن سليمان (تنهض بدور الوزير بانتظار القسم المؤجل لمجموعة من الوزراء يرفض قيس سعيد أن يمكنهم من أداء اليمن) بسبب الانتشار الواسع للفيديو وتأثيراته على صورة تونس، ومن وراء ذلك صورة الرئيس نفسه الذي دأب على التأكيد على أنه هو رئيس القوات المسلحة العسكرية والداخلية، حيث بدا من كلامه أنّ ما جرى يستهدف مسعاه للإمساك بوزارة الداخلية وإلحاقها بصلاحيات الرئيس.

والمفارقة أنه لا الرئيس سعيد ولا أيّ جهة تقدر على إقالة وزير الداخلية حاليا بسبب معضلة القسم، فرئيس الحكومة هو من يتسلم مهمة الداخلية، وإذا تم سحبها منه بالبرلمان أو بقرار شخصي منه فلا يمكن تعويضه وسيضطر لتكليف شخصية مؤقتة وبلا صلاحيات حقيقية لإصلاح الوزارة ذات الثقل التاريخي في الحكم.

النهضة تشتغل على تغيير صورة رئيسها في مناخ سياسي محلي لا يريد أن ينسى تاريخه

ولا أحد يمكنه رفع سقف التفاؤل بشأن حلّ سريع لهذه المعادلة بين الرئيس ورئيس حكومته خاصة أنّ مكونات الطبقة السياسية توظف كل أزمة لمزيد إحراج خصومها وإرباكهم، لأجل ذلك يجري التعامل مع حدث أمني للمطالبة بإقالة المشيشي، وهو مطلب محوري في حزام رئيس الجمهورية الذي يضعه كشرط للدخول في أيّ حوار وطني سواء مع الغنوشي بصفته رئيس البرلمان أو مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ما يزال يطارد أملا في أن يقبل قيس سعيد برعاية مبادرته حول الحوار.

ولأن المشيشي لا يقبل بالاستقالة، ولأن الحزام السياسي الداعم له وخاصة حركة النهضة تريد أن تجعله ورقة في أيّ حوار ينتهي بالحفاظ على مكاسبها، وخاصة بقاء الغنوشي على رئاسة البرلمان، فإن المعارضة الضعيفة والتي لا تمتلك أيّ أوراق بيدها تراهن فقط على أن يمرّ قيس سعيد إلى تفعيل الفصل الـ80 واعتبار البلاد مهددة ويبادر إلى حل البرلمان والإمساك بالحكومة وإدارتها بشكل مباشر.

ودعا غازي الشواشي الأمين العام للتيار الديمقراطي رئيس الجمهورية إلى “ممارسة صلاحياته في إطار مجلس الأمن القومي للحفاظ على وحدة الدولة “.

وأكد أمين عام التيار (الحزب المحوري في حزام الرئيس سعيد) على حكومة المشيشي “تسليم الأمانة إلى أصحابها اليوم قبل غدا” معتبرا أنها “أصبحت تمثل خطرا على أمن البلاد واستقرارها”.

لكن رفيق عبدالسلام، وزير الخارجية الأسبق في حكومة الإسلاميين، قال إن الاعتداء على الشاب من عناصر الشرطة حدث عابر ويجب “التمييز هنا بين عمل الجهاز الأمني كمؤسسة جمهورية مهنية وبين تجاوزات بعض الأعوان التي يتوجب التحقيق فيها ومحاسبة المعنيين بها”، في رد بارد على الجدل مفاده أن ما جرى لا يستحق كل هذه الضجة.

ورغم أن الحملة موجهة بصفة مباشرة إلى المشيشي، لكن حركة النهضة تجد نفسها هي المتهم في القضية لكونها الحامية لرئيس الحكومة والمتمسكة به، ولو إلى حين، كورقة في معركتها مع قيس سعيد الذي جمع في كلمته المسجلة أمام رئيس الحكومة بين قضية الشاب وبين قضايا كثيرة بينها ما يخص رفع الحصانة عن برلمانيين، وأخرى تتعلق بمن يستهدفونه بالنقد على مواقع التواصل.

ولتطويق هذه الأزمة بادر الرئيس سعيد إلى لقاء مع أمين عام اتحاد الشغل نورالدين الطبوبي لأجل البحث عن صيغ للخروج مما أسماه الوضع المتعفن.

ووفق بيان الرئاسة التونسية تطرّقت المحادثة بين سعيد والطبوبي إلى “الوضع العام في البلاد واستمرار الأزمة السياسية، فضلا عن مناقشة جملة من التصوّرات الممكنة للخروج من الوضع الحالي الذي تمرّ به تونس.”

ولا يمكن التوقع إن كان الرئيس قد عبّر عن استعداده لتبنّي مبادرة الحوار الوطني كما طرحها الاتحاد، أم أن اللقاء هدفه إظهار الرغبة في فتح قنوات الحوار بشكل عاجل لتطويق أزمة سياسية تحولت إلى أزمة شاملة بعد أن بدا أن مؤسسات الدولة تتحرك بشكل يظهر فيه كل القطاع على أنه دولة في حد ذاته.

وإذا كانت هذه الأحداث المجتمعة في وقت زمني متزامن قد أربكت الرئيس قيس سعيد، لكن الإرباك الأوضح سيكون على رئيس البرلمان الذي ظهر في حملات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي في صورة “المنقذ” بسبب دوره في اللقاءات التي عقدها المشيشي في ليبيا وقطر والوعود التي تلقاها بشأن الدعم المالي والاقتصادي.

Thumbnail

عمل إعلام حركة النهضة الذي يتركز نفوذه على مواقع التواصل إلى الترويج إلى أن تونس مقبلة على حلّ مشكلاتها بسبب صداقات الغنوشي، وأنه هو الشخصية السياسية الوحيدة القادرة على تجميع البلاد، وبدأ هذا الإعلام بالترويج لاستطلاعات رأي تقول إن رئيس البرلمان بات يحصل على نسبة عالية من نوايا التصويت في الانتخابات القادمة متقدما على قيس سعيد، ردا على استطلاعات أخرى موجهة تقول إن الغنوشي يحتل مرتبة متقدمة في قائمة من يعتبرهم التونسيون أسوأ الشخصيات يليه فيها علي العريض رئيس حكومة الترويكا السابق.

وكان من الواضح أن النهضة بدأت تشتغل على تغيير صورة رئيسها في مناخ سياسي محلي لا يريد أن ينسى تاريخ الرجل وينظر إليه بريبة بالرغم من التقلبات الفكرية التي عاشها خلال عقود وجعلته ينتقل من النقيض إلى النقيض، من فكر إخواني متمسك بتطبيع الشريعة إلى أفكار غربية تنشد الديمقراطية كهدف وتدير الظهر للشريعة والأفكار القديمة.

ولا يبدو الهدف من الحملة هو كسب ود السياسيين، وإنما تقديمه للتونسيين كمنقذ كونه يمتلك علاقات خارجية قوية وقادرا على جلب التمويلات والدعم، بما في ذلك توفير اللقاحات من “أصدقائه” القطريين، الذين لازموا الصمت، ولم يقولوا إن كانوا سيدعمونه أم أنهم يلعبون بدورهم على الوقت لتحسين صورتهم.

المعركة معركة صورة بين رئيس برلمان يريد أن يظهر كرجل حلول ولديه علاقات خارجية متينة ويحرك اللعبة من وراء ستار الحكومة ورئيسها المشيشي، ورئيس جمهورية يريد قبل أيّ حديث أو مبادرات استعادة صلاحياته كرئيس جمهورية والإمساك بالملفات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية والتعامل معه كرئيس شرعي وحيد كونه منتخبا بشكل مباشر وبنسبة تصويت عالية.

وتقول أوساط تونسية إنه لا حل في الأفق ما لم يتنازل الفرقاء عن شروطهم المسبقة، فليست إقالة المشيشي هي من ستجسّر الهوة بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان أو تحلّ المشكلات المتزايدة في البلاد، وعلى العكس ستدفع إلى خسارة وقت جديد في الجدل حول من تعود له أولوية اختيار رئيس حكومة الرئيس سعيد أم البرلمان، وستبدأ المناورات والمحاصصات ونصل في النهاية إلى حكومة تحوز على ثقة مجموعة محدودة وتنطلق بوجهها سهام النقد منذ اللحظة الأولى.

7