التضخم في مصر ليس بالأرقام الفلكية المعلنة

الجمعة 2017/08/11

تبدو أرقام التضخم المصرية مخيفة للوهلة الأولى، فبيانات أمس تظهر أن الأسعار قفزت في الشهر الماضي بنسبة 33 بالمئة على أساس سنوي، بعد أن ظل التضخم يتحرك قرب مستوى 30 بالمئة منذ نوفمبر الماضي.

تلك المستويات الفلكية لا تكشف حقيقة التضخم إلا في المقارنة السنوية. ولو قارناها بالأشهر الثمانية الماضية لما تجاوزت 6 أو 7 بالمئة. ما حدث هو أن زلزالا وقع في الاقتصاد المصري في بداية نوفمبر الماضي حين تم تحرير أسعار الصرف ليفقد الجنيه نحو نصف قيمته دفعة واحدة وترتفع جميع الأسعار نتيجة انحدار القدرة الشرائية للعملة المصرية.

عند مقارنة الأسعار في أي من الأشهر الماضية منذ ديسمبر مع مستوياتها قبل عام نجد أنها ارتفعت بأكثر من 30 بالمئة، وذلك لأننا نقارنها بما كانت عليه قبل زلزال تحرير أسعار الصرف. ويبدو من المؤكد أن أرقام التضخم في أغسطس وسبتمبر وأكتوبر ستكون أيضا فوق 30 بالمئة، لأننا نقارنها بما كانت عليه قبل زلزال قفزة الأسعار.

لكننا حين نصل إلى بيانات نوفمبر سنجد أن التضخم ينحدر فجأة إلى نحو 7 بالمئة لأن المقارنة ستكون حينها بمستوياتها قبل عام، التي أعقبت انحدار الجنيه المصري وستأتي أرقام الأشهر اللاحقة في مستويات مماثلة وقد تتراجع إلى مستويات منخفضة ومستقرة.

ويؤكد استقرار سعر صرف الجنيه تحت سقف 18 جنيها للـدولار منذ عدة أشهر أن قفزة التضخم الهائلة حدثت مرة واحدة في نوفمبر الماضي وأننا لا نزال نشاهدها في مقارنات التضخم السنوية فقط.

فقد أظهرت البيانات أن معدل التضخم في شهر يونيو بلغ 0.8 بمقارنة شهرية. أما قفزته في يوليو بنسبة 3.2 بالمئة فهي انعكاس مؤقت لرفع أسعار الوقود والكهرباء.

بعد مرور عام على تحرير أسعار الصرف واختفائها من المقارنة وكذلك زوال تأثير تحرير أسعار الوقود والكهرباء ستظهر البيانات مستويات تضخم اعتيادية بعيدة عن تأثيرات الإجراءات الإصلاحية الكبيرة.

لم يكن أي من المراقبين يتوقع أن تقبل الحكومة المصرية على هذه الجرعة الكبيرة من الإصلاحات القاسية خلال أشهر معدودة. وينقسم المحللون بين من يقول إنها جرعة قد تقتل الاقتصاد العليل، وبين من يقول إن العلاجات الترقيعية لن تؤتي أي ثمار، وأنه كان لا بد من هذا العلاج الشامل دفعة واحدة.

الاقتصاد المصري يشبه مريضا بالسرطان، وجرعة العلاج الكيمياوي الكبيرة هي السبيل الوحيد لإنقاذه لكنها قد تقتله أيضا. لا بد من الإشادة بالحزم الذي أبدته الحكومة في المخاطرة بتسديد كل هذه العلاجات في وقت قصير، لكن الإشادة الأكبر ينبغي أن تتجه إلى النسبة الكبيرة من الفقراء الذين دفعوا ثمنها دون أن ينفجر غضبهم.

يمكن القول بثقـة إن الحكـومة تكاد تكمل إعطاء الاقتصاد المصري جميع الأدويـة القاسية وإن عبـوره من هـذه المرحلة سيدخله في مرحلة النقاهة ليكون كل يـوم أفضل مـن السابق خلال وقت قريب.

عبور كل تلك التحديات سيجعل الاقتصاد المصري قبلة للمستثمرين العالميين لأنه يعد بفرص نمو وتحقيق عوائد لا يمكن مقارنتها بالدول المتقدمة ولأنه لم تعد هناك أسباب للخوف على استثماراتهم.

قد تكون العقبة الأخيرة التي ينبغي إزالتها لكي يقفز الاقتصاد إلى انتعاش غير مسبوق، هي دور الجيش المصري الواسع في الاقتصاد، والذي يربك المنافسة ويثير حفيظة المستثمرين. فهل تملك الحكومة الشجاعة لإعادته إلى الثكنات؟

كاتب عراقي

11