التضليل الإعلامي سهم واحد يصيب السياسيين الألمان واللاجئين

فتحت قضية اللاجئين في ألمانيا أبواب التضليل الإعلامي على الإنترنت بشكل خاص، بعد تصاعد التيارات المناوئة لاستقبالهم، وبقليل من البحث والتقصي تظهر بشكل جلي البروباغندا الإعلامية وكيف يتم “تبييض الخبر” في مواقع الإنترنت بمختلف أنواعها ولغاتها.
الثلاثاء 2016/07/12
استياء التلفزيون الألماني يظهر بعرضه صورة مركبة لميركل

برلين- تجاوز الجدل المحتدم في وسائل الإعلام الألمانية حول مسألة اللاجئين، إطار التغطية الإخبارية وعرض الآراء والتحليلات، ووصل النقاش إلى التضليل الإعلامي الذي انتشر وتصاعد على الإنترنت وبات حقيقة لا تحتاج إلى الكثير من التقصي والمتابعة حتى تظهر واضحة وجلية.

وبات معروفا أن البعض يمارس البروباغندا والتضليل الإعلامي في الإنترنت، لكن مازال الكثيرون لا يعرفون كيف تعمل حملات التضليل الإعلامي هذه ومدى السرعة التي يمكن أن تؤثر بها؟ ورصد إنغو مانتويفل وناصر شروف من “دويتشه فيله” في تقرير لهما عن أهم ما يجري تداوله في هذا الشأن، وتوصلا إلى نتائج توضح بشكل جلي كيف تعمل البروباغندا والتضليل الإعلامي: خبر كاذب في حالة، وفي حالات أخرى نصف كاذب أو معلومات مشوّهة بشكل كبير يتم “تبييضه” في مواقع الإنترنت بمختلف أنواعها ولغاتها حتى يختفي “المصدر” الفعلي للخبر عن الأنظار.

وهكذا يصل خبر التضليل الإعلامي إلى القارئ النهائي الألماني، مدعوما من وسائل إعلام “عالمية” توحي بأنها تتحلى بالمصداقية. خاصة أنه من المعروف أن الصحف الألمانية ذات تأثير واضح في الحياة السياسية وتعتبر مرجعا مهما ومؤثرا على المستويين الاجتماعي والسياسي. وعرض الصحافيان مثالا محددا عن كيف يتم ذلك؟ فمثلا من يريد في ألمانيا معرفة موقف أنجيلا ميركل من شهر رمضان، يمكنه أن يكتب في محرك البحث غوغل “أنجيلا ميركل رمضان”.

ويظهر التضليل بمجرد نقرة واحدة، ففي مقدمة مواد البحث التي تظهر هناك خبر عنوانه “إعفاء ضريبي في رمضان”. وهذا الخبر يعود إلى صفحة إنترنت ناطقة باللغة الألمانية تحت اسم “Politically Incorrect” تعرف نفسها على أنها إخبارية “ضد التيار السائد”، لجذب غير الراضين عن سياسة اللجوء إلى الحكومة الألمانية.

خبر التضليل الإعلامي يصل إلى القارئ النهائي الألماني، مدعوما من وسائل إعلام "عالمية" توحي بأنها تتحلى بالمصداقية

ويظهر من النظرة الأولى أن الصفحة تدعم حركة “بيغيدا” الناقدة للإسلام والحركات الإقليمية المتفرعة عنها، ولمعرفة ذلك وليس معروفا من يقف خلف هذه الصفحة، لكن كونها قريبة من معاداة الإسلام والشعوبيين اليمينيين وتيارات اليمينيين المتطرفين، فهو أمر واضح.

ويتضمن الخبر القصير، أن “أنجيلا ميركل أعفت أصحاب المطاعم من الضرائب في الرابع من يونيو”، حتى “يحصل المسلمون على طعام بأسعار زهيدة خلال شهر رمضان”. وهذا الخبر المبهم في حد ذاته يجد آذانا صاغية لدى العديد من قراء الصفحة: تعليقات القراء أمطرت أنجيلا ميركل وسياسة الحكومة إزاء اللاجئين بالنقد والشتائم.

والصورة المراد إيصالها من هذا التضليل الإعلامي هي وجود سياسة لجوء سخية لدى الحكومة الألمانية وخاصة لدى المستشارة ميركل، وهذه الصورة تجد على ما يبدو ما يؤكد صحتها “مجددا” في عيون قراء هذه الصفحة. وبذلك يكون التضليل الإعلامي قد نجح. لأنه لا صحة مطلقا لخبر “الإعفاء الضريبي”، حيث لم تتخذ الحكومة الألمانية أو المستشارة هكذا إجراء لا قبل ولا خلال ولا بعد رمضان.

وما يثير الاهتمام هو مسألة كيف جاء هذا الخبر وكيف تم نشره؟ حتى أن المؤلفين المجهولين لهذه الصفحة يتوقعون أن هذه القصة ليست صحيحة تماما. لذا يكتبون بحذر “لم يذكر التقرير شيئا عن الضرائب المعنية، كما تنقصه بعض التفاصيل.

في الواقع من الصعب أن نتصور أن تمنح المستشارة الألمانية فئة معينة حقوقا استثنائية”. ثم يواصلون الكتابة بعقلية نظريات المؤامرة “الواقع، وبما أن ميركل وضعت نفسها فوق القانون الأساسي حين جلبت مواطنيها الجدد المحببين لديها، فإن إقدامها على اتخاذ هكذا إجراء أمر وارد. لذلك نعيد نشر الخبر هنا مع الحذر وضبط النفس”.

ولمنح القصة الكاذبة مصداقية، نشر الموقع الإلكتروني الخبر مع روابط من صفحة “MoroccoWorldNews” الناطقة بالإنكليزية ومن صفحة تلفزيون “روسيا اليوم” بالعربية. ويقول التقرير إنه بدلا من تحري صحة الخبر قبل نشره، كما يقتضي الواجب الصحافي، أو الاعتراف بالخطأ بعد نشر خبر خاطئ، فإن صفحة “Politically Incorrect” تختبئ خلف خبر نشره موقع التلفزيون الروسي التابع للدولة باللغة العربية.

أهداف حملة التضليل الإعلامي مزدوجة، إذ يجب النظر إلى أن الصفحة العربية للتلفزيون الروسي هي مصدر هذه القصة الكاذبة

ويغتنم الموقع حقيقة مفادها أن معظم مستخدمي الإنترنت الألمان يتعذر عليهم الوصول إلى خبر باللغة العربية منشور على صفحة روسيا اليوم، لكن حتى من تخطى عوائق اللغة وأراد الذهاب إلى المصدر بالاستعانة بترجمة غوغل لخبر روسيا اليوم، فإنه سيكتشف أن الخبر لا يستند إلى مصدر رئيسي ويكتفي بالقول إن الخبر مقتبس من جريدة “الرياض” السعودية.

ويبدو لافتا في القضية إقحام صحف عربية في الخبر، وما يعتبر مثيرا للشكوك هو أن صحيفة سعودية تعرف عن قضايا الضرائب الألمانية أكثر من وسائل الإعلام الألمانية. لكن حتى عند البحث في موقع صحيفة الرياض عن هذا الخبر لا يعثر على أي أثر له.

ويرى التقرير أن أهداف حملة التضليل الإعلامي مزدوجة، إذ يجب النظر إلى أن الصفحة العربية للتلفزيون الروسي هي مصدر هذه القصة الكاذبة.

وفي نهاية المطاف، فإن الهدف من هذه الحملة هو تضليل القراء العرب من جهة، وبشكل غير مباشر تضليل مستخدمي الإنترنت الألمان من جهة ثانية.
ولأن هذا الخبر يعطي القراء العرب انطباعا خاطئا بأن ألمانيا سخية بشكل مفرط مع المسلمين، وهذا سوف يشجع الهجرة إلى ألمانيا، ولكنه في نفس الوقت، وفي نفس هذه القصة الكاذبة، يتم تحريض منتقدي الإسلام من الألمان ضد المستشارة الألمانية.
ومن يعتقد أن أبرز وسائل الإعلام الخاصة والعامة في ألمانيا لا تقول الحقيقة، فإنه سيجد تأكيدا على اعتقاده بأن المستشارة الألمانية منحت الإعفاء الضريبي المزعوم حقا.

ويخلص التقرير إلى القول، “في النهاية لا ينبغي لأحد أن يعتقد أنه لا يمكن أن يقع ضحية هدا التضليل الإعلامي. وللتذكير، فإن الخبر كان بعيدا نقرة واحدة عن أهم 10 نتائج بحث في محرك غوغل الأكثر استخداما في ألمانيا. ويبقى في ختام الحقيقة البديهية، أنه يجب التدقيق في المعلومات ومصادرها”.

18