التضليل الإعلامي وتزييف الحقيقة والوعي الاجتماعي

الاثنين 2016/02/01

وسائل الإعلام لا يمكن أن تكون خطيرة على الوعي العام، إلا إذا قصد القائم بالعملية الإعلامية ممارسة تضليل أو عبث بالمحتوى وتوجيهه بطريقة ممنهجية لخدمة أهداف تنحرف عن المصلحة العامة إلى أخرى ضيقة، وهكذا هو التضليل في الواقع يستهدف الحصول على نتائج متعارضة مع الحقيقة، وتكوين واقع محدد في ذهن المتلقي، وربما يؤرخ الكثير من المنظرين لذلك التضليل بوقائع معركة النورماندي في الحرب العالمية الثانية التي تم فيها دس معلومات محددة غير واقعية اتجهت بالحرب لخدمة الحلفاء في النهاية، ولكن ذلك واقع عسكري يتطلب توجيها للإعلام لتحقيق أهداف عسكرية وأمنية وسياسية، ولكن على الصعيد الاجتماعي ذلك يؤسس لواقع يختلف عن الحقيقة.

الاختلاف والتضاد مع الحقيقة يعنيان تأسيس واقع غير صحيح، وتشكيل الوعي والرأي العام على فرضيات واحتمالات وتكهنات يعني عبثا مباشرا وصريحا بحق المجتمع المتلقي في الحقيقة، وهي موضوع المحتوى الإعلامي، إذ دونها لا يمكن صناعة رأي عام إيجابي وفاعل ومؤثر يرتكز إلى ثوابت منطقية في معرفته بما حوله، وللحقيقة لا تجيد وسائل الإعلام العربية ممارسة التضليل حتى بوصفه رذيلة مفضّلة حين تقتضي السياقات الأمنية كسب معارك فكرية أو ثقافية مع آخرين، أعداء محتملين أو قائمين، ويبدو الأمر في غاية التسطيح وربما السذاجة الفكرية في بلورة رسالة أو محتوى إعلامي يحتوي على الأقل على حد أدنى من الجرعة المعرفية الحقيقية.

في التضليل الإعلامي لا يوجد أي إحساس بالمسؤولية تجاه أخلاقيات المهنة الإعلامية، ولكن يتم تعويض ذلك بحرفية كثيفة تزيّن وتجمّل الكذب، أو تنحرف بالمحتوى إلى مصالح أخرى، دون ذلك يمكن كشف التزييف في المحتوى بسهولة وتصبح الوسيلة الناقلة كاذبة وغير جديرة بالاحترام المهني أو تتمتع بأقل قدر من الموثوقية، وحين يتم الالتفاف على مادة منشورة من وسائل أجنبية إلى منصات النشر العربية يمكن أن نلتمس أخطاء في النقل وتجاوزها بسبب ركاكة الترجمة أو تواضع القدرات المهنية في التعامل مع النص المترجم، ولكن أن يتم العبث بالمحتوى بصورة متعمدة وكلّية فذلك شغل غير احترافي ولا يحقق أي مصلحة، وإنما أضراره مضاعفة وكارثية، تتطلب معالجات تجعل الرأي العام يقف على الحقيقة بنفسه من أجل تقييمها.

من المهم أن يكون الرأي العام شريكا في صناعة الوعي وليس مضللا ومستهدفا بمحتوى إعلامي يغير قناعاته لمجرد التغيير، لأنه حينما تتم صناعة وعي لا يقف على أرض صلبة فإنه يظل معرضا للانهيارات عند حدوث أي مفارقات لن يحسن أو يجيد التعامل معها في الصورة الفردية لمن تم تضليله والعبث بخياراته وقناعاته، ولا يمكن أن تكون العملية الإعلامية ساذجة إلى الحد الذي يقوم بشأنها ساذجون يعتقدون أن مجرد النقل من مصادر أخرى يصنع إطارا دلاليا جديدا يتكيف مع المصالح المتوقعة من تزييف الحقيقة، ذلك نوع من العبث أشبه باستخدام دواء في غير التشخيص فيحدث خطأ طبي إما أن يكون قاتلا أو يتسبب في تشويهات صحية ذات أثر أسوأ من العلّة الأصلية.

صناعة الإعلام المعاصر مسألة احترافية بامتياز لا يتصدّى لها إلا المحترفون، لتحقيق أغراضها وأهدافها خاصة في ما يتعلق بما هو وطني واجتماعي يتماشى مع قيم أو أخلاقيات، ويفترض أن ينتهي بوعي عام، وحين لا يحدث ذلك تصبح المسألة برمتها مشابهة للتشخيص الطبي الخاطئ، ونحصل على تشخيص إعلامي مناظر له نتائج مأساوية تصيب المجتمع بالشلل الفكري والعيوب الثقافية والإعلامية، وسرعان ما نفتح ثغرة في العقل الاجتماعي لأن الإعلام انحرف كثيرا عن الحقيقة وأصبح محلا لغرس وإنتاج التضليل.

18