التضييق الحكومي على المعلومات عقاب للمواطنين قبل الصحافيين

لجوء المؤسسات العمومية إلى حجب المعلومات يسيء إلى حرية الصحافة، على غرار انتهاك حق المواطنين واستبعادهم من دائرة الحق في المعرفة.
الخميس 2020/04/16
حجب المعلومات يتنافى مع أسس الديمقراطية

الحق في المعلومات ليس حكرا على وسائل الإعلام والصحافيين، بل هو حق للمواطنين أيضا، لذلك فإن لجوء مؤسسات عمومية تونسية إلى حجب المعلومات يسيء إلى حرية الصحافة، كما يدوس على حق المواطنين في معرفة أعمال الحكومة ومساءلتها.

بعد أخذ ورد داما أسبوعين، أصدرت المحكمة العليا الأميركية في 30 يونيو 1971 حكمها بأن لا حجة للحكومة في منع صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست من نشر ما بات يُعرف “بأوراق البنتاغون” عن حرب فيتنام.

كانت المعركة تبدو محسومة لصالح الحكومة حتى في نظر فريق محامي واشنطن بوست الذين نصحوا بالكف عن النشر حتى أنصفت المحكمة نائب رئيس الصحيفة، جيمس غودايل، الذي تمسك لوحده بالتعديل الأول للدستور الأميركي الضامن لحق المواطنين في معرفة أفعال الحكومة.

كانت تلك أولى المعارك الكبرى، قبل معركة ووترغيت، التي تنهزم فيها السلطة التنفيذية أمام حق الناس في المعرفة. وإن كان الانتصار يُسوَّق انتصارا للصحافة فهو قبل ذلك انتصار لحق المواطنين في أن يُخبَروا عما تفعله السلطة قبل انتصار الصحافيين في معركة واجبهم في أن يُخبِروا عنه. هما وجهان لمعركة واحدة غير أن ظهور وجه الصحافة يطغى على ظهور وجه المواطنين فيها.

فعندما نشر وزير التربية التونسي محمد الحامدي في 3 أبريل الجاري مذكرة يمنع فيها المسؤولين جميعا في وزارته من الإدلاء بأي تصريح للصحافيين إلّا بعد الحصول على تأشيرة مدير ديوانه، أي تأشيرته هو في واقع الأمر، ضجت الصحافة بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي بالحديث عن التضييق على الصحافة والصحافيين دون التطرق إلى ما ينال المواطنين من ذلك.

إن لجوء المؤسسات العمومية إلى حجب المعلومات يسيء إلى حرية الصحافة، وهو أمر بديهي، غير أنه يدوس على حق المواطنين في معرفة أعمال الحكومة بل في مساءلتها ومحاسبتها، وهو أمر يظهر أن المسؤولين عن المؤسسات العمومية من وزراء وغيرهم، ممن هم أدنى منهم أو أعلى، لم يفهموا بعد أن نشر المعلومات بين المواطنين، عبر الصحافة وغيرها، هو أساس الديمقراطية والحوكمة والشفافية، وهو أمر يظهر بجلاء افتقار الحكومة التونسية إلى أبسط معايير الاتصال العمومي وضعف هياكله.

“لا يُعذر أحد بجهله للقانون” قولة شهيرة في لغات العالم تفرض على الناس بداهة معرفة ما تسنه السلطة من نصوص قانونية متنوعة غير أنها تفرض كذلك على السلطة أن تنشر تلك النصوص وتفسرها وتنشر مختلف الإجراءات التي تواكبها للفهم والتطبيق، وهو وضع يجعل السلطة في الأحوال كلها مطالبة بالنشر للعموم لا للصحافيين وحدهم.

وهناك المواثيق التي تحتم على السلطة منذ عقود مد الناس بالمعلومات مثل “إعلان حقوق الإنسان والمواطنين” الذي نص عام 1789 في بنده الخامس عشر على أنه “من حق المجتمع أن يسائل أي موظف عمومي على إدارته”، علاوة على البند الحادي عشر الذي يضمن حق المواطن في “القول والكتابة والنشر”. وكذلك يفعل ميثاق ميونخ لعام 1971 عندما يستهل الحديث بحق الإنسان في الأخبار.

فواجب السلطة في نشر المعلومات في المجتمع أشمل من مد الصحافة بها. صحيح أنها تخاطب الإعلام أساسا غير أنها تمد العموم بها كما تمد بها مختلف الهيئات من مؤسسات وجمعيات ومنظمات بطرق مختلفة لا تقتصر على النشر في الصحافة بل كذلك عبر حملات غير إعلامية مثل التظاهرات المختلفة وعبر الإنترنت وحتى عبر مضخمات الصوت في الصوامع أو في السيارات التي تجوب الشوارع كما حدث مرارا في الأسابيع المنقضية داعية المواطنين إلى التوقي من جائحة كورونا.

الحكومات في الأنظمة الديمقراطية تسقط في الدعاية كلما تعاملت مع نشر المعلومات للعموم بحسابات سياسية

فقرار مثل الذي جاء به وزير التربية التونسي، وإن عدله لاحقا، هو عقاب للمواطنين قبل الصحافيين وتضييق عليهم. ومن المهم أن يستبطن الناس أن الحق في المعلومات ليس حكرا على المؤسسات الإعلامية وعلى الصحافيين الذين يعملون بها بل هو حق للجميع حتى لا ينوء الصحافيون وحدهم بحمل تضييق السلطة عليهم وحتى يستبطن المواطنون أن التضييق على المعلومات، بل خنقها أحيانا، لا يستهدف مهنة بعينها بل المجتمع كاملا.

ومما يدل على أن المجتمع في عمومه يظن الحقَّ في المعلومات شأنا صحافيا خالصا هو تحرك نقابة الصحافيين التونسيين التي اجتمع وفد منها مع وزير التربية يوم 6 أبريل أي بعد ثلاثة أيام من نشر المذكرة. صحيح أن النقابة على رأس المعنيين بالأمر لكن هل ترى منظمات المجتمع المدني الأخرى نفسها غير معنية؟

إن جعل قضية التضييق على المعلومات قضية صحافية خالصة، هو استبعاد للمواطنين من دائرة الحق في المعرفة. فالمؤسسات الإعلامية صنفان، عمومية وخاصة، والادعاء بأن المعلومات شأن يخص المؤسسات الإعلامية العمومية يعني أن الأمر أمر حكومي صرف، وهو إقصاء للمواطنين، كما أن الادعاء بأنها شأن المؤسسات الإعلامية الخاصة قول بأن المعلومات حق لفئة من المواطنين يستأثرون به دون غيرهم لأنهم يملكون مؤسسات إعلامية.

ولم تكن قضية مذكرة وزير التربية هي وحدها التي شغلت الرأي العام بسبب تكتم السلطة على ما هو حق للناس بل سبقها بأيام ما يعرف بقضية “سيارة بنت الوزير” التي هشمتها في حادث سير وهي ممنوع استخدامها من غير المتمتع بها. لازمت السلطات الصمت وعرّض وزير الحوكمة ومكافحة الفساد محمد عبو نفسه لانتقادات حادة بسبب رده على الصحافة قائلا “موش وقتو (ليس وقته)”.

نشر الصحافي نورالدين بالطيب في 5 أبريل مقالا في يومية الشروق قال فيه “في الوقت الذي كان ينتظر الشارع التونسي مبادرة من عبو، الذي بنى كل مشروعه السياسي على محاربة الفساد، صمت واكتفى بالقول موش وقتو”. كان عنوان المقال “من محمد عبو إلى محمد الحامدي: عندما تفضح السلطة الثوريين”، وكان معبرا لأنه أثار مشكلة التواصل العمومي في تونس من زاوية التوظيف السياسي.

وكتب الصحافي “أن الأسطوانة التي يرددها محمد عبو ويرددها قادة حزبه ليست إلا شعارات للاستهلاك من قبل الوزارة”. ويحيل لفظ الشعارات على الدعاية التي تحل محل التواصل العمومي عندما يصبح الهدف من نشر المعلومات أو حجبها خدمة أهل السلطة لا خدمة المواطن. وليس من الغلو في القول أبدا إن الحكومات في الأنظمة الديمقراطية أو تلك التي تدعيها تسقط في الدعاية كلما تعاملت مع نشر المعلومات للعموم بحسابات سياسية.

من مبادئ فلسفة كانط، أب عصر الأنوار في ألمانيا، أنها تجعل الإشهار، في معنى النشر للعموم، شرطا لا بد منه لحسن سير الديمقراطية وممارسة المواطنة وعليه يقوم مفهوم “السيادة للشعب”. ومن هنا ندرك أن ادعاء الديمقراطية والحوكمة والشفافية يسقط ممن يحجب المعلومات عن المواطنين أو يتصرف فيها لتوظيف نشرها لا الإفصاح عنها لأصحابها.

وبين الاتصال العمومي والدعاية شعرة رقيقة. يقتضي الاتصال العمومي أمرين حتى لا يكون دعاية وهما ألّا تسيطر الحكومة على المعلومات وتنفرد بها وألا تنشر معلومات منقوصة أو مجتزأة. ويترتب على ذلك أمران وهما الحرية المتاحة لممثلي السلطة التنفيذية في مخاطبة المواطنين والانفتاح والشفافية اللذان لا يكونان إلّا بتعميم نشر المعلومات وليس بانتقائها فتكون موجَّهة وموجِّهة.

حجب الحكومة للمعلومات كما فعل محمد عبو أو انتقاؤها بهدف توظيفها كما كان محمد الحامدي ينوي أن يفعل بمذكرته ضرب لبناء المسار الديمقراطي الذي ينتفي بحجب المعلومات عن العموم. عندما تشح المعلومات يجف النقاش العام ولا يكون له معنى عندما تملك الحكومة المعلومات كلها ويجهلها شركاؤها. إن عدم تقاسم المعلومات كما هي دون تجميل يجعل المجتمع عاجزا عن صياغة مشاكله العامة صياغة دقيقة تكون جزءا من حلها.

هناك في الديمقراطيات ما يسمى “بسياسة الخطاب” وما هي إلا استراتيجية محبوكة تجعل مختلف الوزارات في حكومة ما تبني سياسة اتصالية مرجعية. يذكر التونسيون في بداية شهر مارس الماضي التضارب في أقوال الوزراء عن تقديم العطلة المدرسية وكان ذلك دليلا على غياب استراتيجية اتصالية حكومية. وكان الخطاب متناقضا بل متشنجا بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان في الأيام الأولى لظهور جائحة كورونا في تونس.

كان الاتصال في ذلك المستوى ضحية نظام سياسي ذي رؤوس ثلاثة تصيب هزاته الارتدادية مختلف المواقع الحكومية حسب الولاء لأحد الرؤوس. وليس ذلك هو التفسير الوحيد بل هناك ممارسات بالية داخل الحكومة لا تستجيب لاتصال عمومي في خدمة نظام يريد نفسه ديمقراطيا. وفي رئاسة الحكومة مصلحة إعلام واتصال كما في الوزارات الأخرى. بقي أن نسأل ما وظيفتها؟

هناك ثلاثة أسئلة لا تحمل الممارسة جوابا واضحا عنها. هل وظيفة المكلف بالإعلام والاتصال في رئاسة الحكومة وغيرها من الوزارات وظيفة إخبارية تتمثل في نشر المعلومات بين العموم؟ هل وظيفته أن ينسق العلاقات بين الوزير والصحافة والصحافيين؟ هل وظيفته أن يجمل أفعال الوزير وقراراته وسياسته قصد تلميع صورته؟ هل يتم كل ذلك معا في آن؟

لا يُعقل أبدا أن يفعل الشخص ذاته ذلك كله معا لأن تعميم المعلومات لا يكون بتجميلها ولا بتقبيح غيرها وإلّا يتحول المكلف إلى عنصر علاقات عامة. ويصعب أن يعمم معلومات تخدم المواطن بلعب دور المكلف بالعلاقة مع الصحافة والصحافيين لأن علاقات محاباة أو عداء ستنشأ بالضرورة فيقدَّم صحافي ويؤخَّر آخر.

في عدد من البلدان هي وظائف ثلاث مختلفة، فالمستشار في الاتصال غير المستشار في العلاقة مع الصحافة وهما غير الملحق الصحافي. ويتعايش هؤلاء في ديوان الوزير كما فعل ذلك الوزير الأول الفرنسي ليونال جوسبان الذي أعطى صلاحيات أوسع للمستشار في الاتصال مع الحرص على أن يكتفي المكلف بالعلاقة مع الصحافة بإعطاء معلومات تقنية صرفة عن رئاسة الحكومة. هناك سبل شتى يمكن الحوار فيها لتنظيم دوائر الاتصال وتحديد وظائفها على أن يكون هناك منسق في دائرة الاتصال في رئاسة الحكومة دوره التنسيق بين الوزارات حتى لا تكون لكل وزير مملكة.

تحرص بعض المنظمات المعنية بالاتصال في دول ديمقراطية على إخضاع الاتصال العمومي إلى قواعد أخلاقيات الصحافة وقواعد القانون. ويبرره جدل كبير، من بين أمور كثيرة، لجوء الرئيس الأميركي ليندون جونسون عام 1964، كما كشفته أوراق البنتاغون، إلى توظيف الحرب في فيتنام لحملته الانتخابية.

18