التضييق على الحريري بحصر خياراته الرئاسية في أبرز خصومه

لم يكن إخفاق البرلمان اللبناني، يوم الأربعاء الماضي، للمرة الـ45 على التوالي في انتخاب رئيس جديد للبلاد، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة، أمرا مستغربا، حيث تشير مختلف المعطيات أن حزب الله لا يزال يعطل تحقيق النصاب المطلوب لوضع حدّ لفراغ قصر بعبدا، ولن يتوقف قريبا عن سياسة غلق أبواب الحلول، وفق سياسة تقوم على دفع الأطراف اللبنانية المعنية إلى إنتاج تسويات تتحول إلى تنازلات ومن ثمة تصبح مطالب يستفيد منها الحزب، وقد تجسّد ذلك بشكل واضح في موقف تيار المستقبل من ترشيح فرنجية ثم عون.
الأحد 2016/10/02
الوضع خانق

بيروت – يتعامل حزب الله مع الملفات اللبنانية الشائكة من خلال سياسة يمكن أن يطلق عليها اسم سياسة التيئيس. تقوم عناصر هذه السياسة على الإقفال التام لكل أبواب التسويات والحلول، ودفع الأطراف الأخرى في البلد إلى محاولة ابتكار سبل الحلول وتقديم التنازلات، والدفع في اتجاه تحويل هذه التنازلات إلى مطلب لهذه القوى تتفاوض معه عليها.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة موقف حزب الله من ترشيح سعد الحريري لفرنجية ثم ترشيحه المحتمل للجنرال ميشال عون. ولم يتعامل الحزب مع هذه الترشيحات بوصفها تنازلات تدفعه إلى إنتاج تسويات يقدم فيها بدوره بعض التنازلات، بل تعامل معها عبر الاستمرار في إغلاق أبواب الحلول. هكذا بدا أن التنازلات المستقبلية وأمام العجز عن خلق أيّ اختراق لجدار الأزمات، بصدد التحول إلى مطالب يقدمها إلى حزب الله.

هذا السياق يؤكد أن البلد صار في يد حزب الله، وكل ما يجري من حراك لا يعدو كونه خطوات إجرائية وتنفيذية، أجبرت سياسته خصومه على القيام بها اعتقادا منهم أنها تضمن دورا، في حين أنها استسلام له، وقبول بإمساكه التام بكل قرار البلد.

مسار اليأس المستقبلي

يمارس حزب الله سياسة التيئيس مطمئنا إلى أن نتائجها ستصب في صالحه. يقوم سعد الحريري بمبادرات لسد الشغور في الفراغ الرئاسي متجاوزا في لحظة ما يعتبره كل خطوطه الحمراء. ويرشح سليمان فرنجية الذي يكنّ له جمهور المستقبل عداء، ويتهمه بالمسؤولية عن إخفاء الأدلة في جريمة اغتيال رفيق الحريري. وكان فرنجية يحتل آنذاك منصب وزير الداخلية وأصدر أمرا بإزالة الأنقاض في موقع الجريمة. كذلك يرتبط فرنجية بعلاقة وثيقة مع الرئيس السوري بشار الأسد الذي يعتبره السنّة في لبنان عدوّهم الأول والأساسي، ويرون في الحرب التي يقودها في سوريا حربا ضد السنة عموما.

ذهب سعد الحريري إلى الحدود القصوى بترشيح فرنجية معتبرا أنه قدّم لحزب الله ولخصومه أكثر ممّا يتوقعون. واعتبر أنه سينجح في لجم الاعتراض الشعبي على ترشيح فرنجية في وسط جمهوره بسبب المكاسب المتتالية التي ستنجم عن عودته إلى رئاسة الحكومة، حيث سيكون قادرا على التحرك ومخاطبة المحيطين العربي والدولي انطلاقا من هذا الموقع.

فتح هذا الترشيح باب التراجع السياسي في مسيرة الحريري فبعد أن كان هجوم خصومه يتخذ من الأزمة المالية منطلقا للتصويب عليه، وهي أزمة أظهر جمهور المستقبل قدرة استثنائية على استيعابها، بات الهجوم يتخذ من هذا الترشيح منطلقا لإعلان استسلام الحريري أمام حزب الله.

استوعب الجمهور المستقبلي صدمة ترشيح فرنجية وكانت أبرز نتائجها خسارة التحالف الذي شارك فيه المستقبل الانتخابات البلدية في طرابلس، وصعود نجم وزير العدل السابق أشرف ريفي كمشروع زعامة سنيّة تستفيد من أخطاء الحريري وتعمل على استمالة الجمهور المستقلبي إليها عبر عناوين أكثر تشددا من تلك التي ينادي بها. هكذا لم يعد الحريري الزعيم السنّي الأوحد بل صار هناك منافسون جديّون له، فهو وإن كان لا يزال الأبرز ولكنه لم يعد الأوحد.

عمل حزب الله على دفع سياسة التيئيس إلى حدودها القصوى فعطّل انتخاب فرنجية. ولم يبد انفتاحا على هذا الخيار الذي يعد عمليا انتصارا له، بل تابع اعتماد سياسة التيئيس.

سعد الحريري يذهب إلى الحدود القصوى بترشيح فرنجية معتبرا أنه قدم لحزب الله ولخصومه أكثر مما يتوقعون وأنه سينجح في لجم الاعتراض الشعبي على ترشيح فرنجية في وسط جمهوره بسبب المكاسب المتتالية التي ستنجم عن عودته إلى رئاسة الحكومة

وتراكمت في هذه الفترة مشاكل الحريري وبدا أن المشكلة المالية أقلها شأنا، فقد أنتجت السياسة السعودية المستجدة إطارا جديدا في التعامل مع لبنان خرج فيه هذا البلد من دائرة الأولويات السعودية، وأحيل إلى موقع هامشي إن لم يكن قد خرج تماما من دائرة الاهتمام.

تنشغل السعودية بأزمات كبرى وبمعارك مصيرية وتميل إلى تبنّي خيار المواجهة وهو الخيار الذي لا يستطيع سعد الحريري أن يكون نجمه في لبنان، بل وعلى العكس من ذلك تدفع الاعتبارات اللبنانية، وسياسة ربط النزاع مع حزب الله إلى اتخاذ قرارات خارجة على الإجماع العربي والقاضي بتوصيف حزب الله كمنظمة إرهابية.

إيقاف الهبة السعودية التي كان مقررا تقديمها للجيش اللبناني يقول إن السعودية تعتقد أن لبنان ليس بلدا غير مفيد وحسب، بل ربما سيكون منطلقا للهجوم عليها، لأنها تؤمن أن حزب الله يسيطر عليه وأن أيّ سلاح ستساهم في تقديمه للجيش سيذهب إليه.

هكذا وجد حزب الله نفسه أمام فرصة تاريخية لإحكام السيطرة على البلد بشكل نهائي، خصوصا أن السنوات التي كان فيها الحريري غائبا عن لبنان تراكمت فيها مجموعة من الوقائع السياسية والميدانية والاقتصادية، وهذا الكمّ الهائل من التحولات ليس من السهل التعامل معه.

وبدا أن تنازل سعد عبر ترشيح فرنجية لم يكن حدا أقصى كافيا ولكنه مجرد فاتحة لمسار أسّس له حزب الله، ويهدف إلى إفراغ التنازلات من طابعها ومن معناها بحيث لا يستقبلها بوصفها مدخلا لحوار يمكن أن ينتج تسويات جدية. ويعمد الحزب، على العكس من ذلك تماما، إلى الاستمرار في التصعيد بغية تحويل هذه التنازلات إلى مطالب للطرف الآخر يفاوَض على القبول بها وليس العكس.

فجّر إقفال الأبواب أمام انتخاب فرنجية الحدود كلها وأيقظ نزعات مناطقية وتنافسية في الوسط الماروني. وظهر جليا أن الحريري أخطأ كثيرا في قراءة الوضع اللبناني عموما والماروني خصوصا والذي امتاز تاريخيا بخصومة شرسة تسقط عندها الكثير من الاعتبارات والتحالفات.

هكذا كان أثر ترشيح فرنجية على الحلف بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل شديد السلبية، حيث قرأ فيه سمير جعجع مسّا مباشرا بزعامته في حال وصل خصمه ومنافسه المباشر سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة، فكان أن قام بدوره بتفجير الحدود ورشح الجنرال ميشال عون لرئاسة الجمهورية في ردّ مباشر على ترشيح فرنجية.

اعتقد الكثيرون أن حجج حزب الله سقطت مع ترشيح جعجع لعون ولكن الحزب لعب على منطق الإجماع المسيحي نفسه معتبرا أن هذا الإجماع يلغي المنافسة أساسا. تاليا لا يمكن أن يصار إلى انتخاب الرئيس بالتصويت لأن ذلك اعتداء على الإجماع المسيحي، بل يجب أن يصار إلى الاتفاق المسبق على انتخاب عون قبل النزول إلى المجلس النيابي.

حرص الحزب على رفع لواء المطالبة بحقوق المسيحيين وربط هذا الإطار بتدمير البنية الديمقراطية التصويتية في مجلس النواب، وترك للرئيس نبيه بري إدارة ملف التيئيس العام على مستوى أجهزة الدولة عبر سلّة مطالب تضمن له السيطرة التامة على كل مفاصل البلد. وتمت لعبة توزيع الأدوار بين الثنائية الشيعية بشكل يناط فيه لرئيس المجلس النيابي مهمة رفض انتخاب عون لتتشكل جبهة رافضة تتألف من بري والحريري وجنبلاط.

ترشيح عون

وجد الحريري نفسه أمام استعصاءات متراكمة فبدا أنه يميل إلى تجاوز ما كان قد عده سابقا الحد الأقصى، فكان أن بادر إلى البحث في خيار ترشيح عون معتقدا أن لا حد أقصى بعد هذا الترشيح.

دائرة حصار سعد الحريري اكتملت وهو يمشي إليها بوصفها خيارا أخيرا فليس هناك من استسلام نهائي أكثر من حصر خياراته الرئاسية في اثنين من أبرز خصومه السياسيين مجانا دون أيّ حصيلة سياسية واضحة

استقبل الحزب الأمر بالمنطق السابق نفسه، أي بالمزيد من إقفال الأبواب. لم يتعامل مع احتمال ركون الحريري إلى هذا الخيار بوصفه انتصارا كاملا له سيبادر لعده إلى فتح المجال أمام التسويات والحلول، بل تعامل معه وكأنه في الأساس هذا مطلب للحريري وليس مطلبا للحزب وكأن ميشال عون هو في الأساس مرشّح سعد الحريري.

من هنا بدأت سلسلة المطالب تنهال على الحريري فنبيه بري يريد في مقابل القبول بالجنرال حقيبتي وزارة المال والخارجية، والإمساك الكامل بملف النفط والاتفاق على قانون الانتخاب.

كان رئيس القوات اللبنانية قد لخّص المشهد منذ فترة معتبرا أن الحريري خسر نصف شعبيته حين رشّح فرنجية وسيخسر النصف الثاني حين يرشح عون. إذن اكتملت دائرة حصار سعد الحريري، وهو يمشي إليها بوصفها خيارا أخيرا فليس هناك من استسلام نهائي أكثر من حصر خياراته الرئاسية في اثنين من أبرز خصومه السياسيين مجانا دون أيّ حصيلة سياسية واضحة.

ولا أفق واضحا للحلول أمام تيار المستقبل، لذا يتوقع أن يصبح ترشيح عون مطلبا للمستقبل لكن يجب عليه أن يدفع إلى حزب الله ثمنا غاليا ليقبل به. هكذا يحكم حزب الله سيطرته على البلد بشكل كامل دون أيّ مقاومة أو اعتراض فهو يستطيع أن يقول للرأي العام المسيحي لقد جئتكم بالرئيس الذي يمثل إجماعكم ويقول للحريري إنه أنقذه من انهياره السياسي وأعاده إلى منصب رئاسة الحكومة في ظل تعثره مع أزمة شركة سعودي أوجيه وتراجع الدعم السعودي له.

يتفق الجميع على تسليم البلد لنصرالله أو على الأقل غض النظر عن تحكمه التام فيه. هذه اللحظة لم تتوفر سابقا إطلاقا، وكل الظروف تسمح له ولحزبه بإعلان لبنان كمحافظة إيرانية، فلماذا سيتصور أحد أن نصرالله سيضيع هذه اللحظة التاريخية في حين تكتمل كل شروطها بيسر وسهولة؟

هل هناك ما هو أكثر دلالة على اكتمال هذه اللحظة من كون الحريري لا يجد مخرجا لأزمة الرئاسة سوى في ترشيح فرنجية الذي كان قد وصفه ووصف الرئيس الشهيد بأبشع الأوصاف، أو في ترشيح الجنرال ميشال عون صاحب المواقف المتطرفة المهينة للسنّة.

يرشّح الحريري أعداءه لمنصب الرئاسة، ويتعامل حزب الله مع هذه الترشيحات بوصفها مطلبا للحريري فهل هناك انتصار مكتمل الأركان أكثر من ذلك.

كاتب لبناني

6