التطاول عبر الشبكة

بالطبع، إن يساعد بُعد المسافات على التطاول، إذ يطمئن المتطاولون إلى كونهم بمنأى عن ردود أفعال الذين يتطاولون عليهم، سواء بردود أفعال شخصية ومباشرة، أو بأخذ المتعدي إلى القضاء، لذا ترى المتطاول يتجرأ ويستسهل البذاءة.
الأحد 2018/12/16
التطاول من مستخدمي وسائل التواصل ظاهرة أصبحت متفشية

ترتفع باطراد، وتائر التطاول من قبل قطاعات من الناشئة مستخدمي وسائل التواصل.

وللمرء أن يلحظ، أن الشباب من فئتي العاطلين عن العمل ومُحدثي الثقافة الأصولية، هم الأكثر حدة في التطاول.

الأولون يدفعهم الفقر والفاقة، إلى الخروج عن آداب التخاطب والتعبير عن الرأي، والأخيرون يذهب بهم الاستعلاء الوعظي الذي يميّز لغة الفقهاء والمتفقهين التكفيريين، ويعلمونه لتلامذتهم؛ إلى شطب اعتبارات السن والتقاليد الاجتماعية، وكأن حق رب العالمين في تحديد أصحاب الضلالات وزجرهم، قد انتقل بشفاعة الادعاء، إلى فقهاء الأصولية وصغار الشباب المضللين. وهؤلاء – بدورهم- كأنما أصبحوا يمتلكون رخصة تحديد أو تصنيف أصحاب الضلالات، حتى من بين الفقهاء المستنيرين وسائر العابدين!

بدن الفاقة سبباً لرفع وتيرة غضب الشباب العاطلين، فمنهم من تدفعه إلى التطرف، بتأثير رطانات الفقيه التكفيري الذي يستسهل العصف بأرواح الناس واستقرارها، ليصبح الشاب عدوانيا في الاتجاه الخاطئ، وذا لغة مشبّعة بالاتهام، وكأن أهله وجيرانه في محيطه الاجتماعي هم الذين صنعوا الانسداد، وليسوا ممن يكابدونه هم وأبناؤهم في إطار البلاء العام!

وبالطبع، إن يساعد بُعد المسافات على التطاول، إذ يطمئن المتطاولون إلى كونهم بمنأى عن ردود أفعال الذين يتطاولون عليهم، سواء بردود أفعال شخصية ومباشرة، أو بأخذ المتعدي إلى القضاء، لذا ترى المتطاول يتجرأ ويستسهل البذاءة. كما أن طبيعة الأفكار التي تملأ رأس المتعدي، تغذي إحساسه بالقوة والجدارة بأن يقفز عن عوامل المكانة الاجتماعية واعتبارات السن والمستوى الثقافي، وعن ضرورات تحري الدقة والحقيقة.

تفشت مثل هذه الظواهر عبر وسائل التواصل، لترسم أحد المشاهد السلبية الناشئة عن سوء استخدام التطور المتسارع والمذهل في وسائل الاتصال!

كان ولا يزال من بين أعراف الأمم، أن يحفظ الناس لبعضهم بعضاً، المقامات والفضائل الاجتماعية.

ففي صدر الإسلام، كان أبوسفيان في حياته وقبل إشهار إسلامه على أمل الاحتفاظ بزعامته؛ رأس المكر القُرشي، وصاحب البأس ومؤسس رحلة الشتاء والصيف. وبالمقابل، كان أبوقحافة، والد أبي بكر، رجلا من عامة الناس، تصادف أن حضر مشهدا في زمن خلافة ابنه، وكان أبوبكر قد سمع شيئا يستحق أبوسفيان اللوم عليه، فأمر بإحضاره.

من جانبه، سمع أبوقحافة الطاعن في السن وشبه الضرير الخليفة الراشد يصيح، فسأل أحدهم: على مَن يصيح ابني؟ فقيل له على أبي سفيان. عندئذٍ، صرخ أبوقحافة مخاطباً أبا بكر باسمه في الطفولة “أعلى أبي سفيان ترفع صوتك يا عتيق؟ والله لقد تعدّيت طورك وجُزت مقدارك”. فتبسّم أبوبكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار!

24