التطاول على الكبار حق مشروع

ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه هذا "الدب" الروسي بذاك "الشمشون" الكوري، فالقواسم المشتركة عديدة بينهما، و"اللعب مع الكبار" هو أسلوب بطولة اتخذه الطرفان فبرعا فيه.
السبت 2018/07/07
"الشمشون" حاول تطويع الحلم إلى حقيقة

حدث ذات مونديال أن ركبت بعض المنتخبات “المتواضعة” تاريخيا صهوة جواد الأمل وانطلقت مسرعة في السباق المونديالي المحتدم فبلغت أعلى المراتب وكادت تبلغ المحطة النهائية.

حدثت “ثورة” في مونديال 2002 قلبت كل الموازين في تلك البطولة، فثلاثة منتخبات لا تصنف ضمن “القوى التقليدية” كسرت حاجز المستحيل ووصلت إلى أماكن لم “تطأها” أقدامها في السابق.

في تلك البطولة كان المنتخب التركي أحد الواصلين إلى منصة التتويج، لقد حقق إنجازا باهرا ببلوغه الدور نصف النهائي، والأكثر من ذلك أنه فاز في المباراة الترتيبية ليقتنص مركزا ثالثا تاريخيا طبع المشاركة التركية المونديالية.

في ذلك المونديال لمع نجم المنتخب السنغالي، إذ لم يكتف بالتألق في مباراة الافتتاح وإسقاط المنتخب الفرنسي حامل اللقب العالمي آنذاك بل قدّم عروضا مدهشة مكنته من الوصول إلى مباراة الدور ربع النهائي قبل أن يخرج بمرارة أمام المنتخب التركي.

في تلك الدورة التي شهدت لأول مرة في التاريخ تنظيما مشتركا بين اليابان وكوريا الجنوبية، برز منتخب آخر من بين منتخبات “الصف الثالث”، فبلغ عنان السماء وحقق نتيجة لا تصدق بعد صعوده إلى المربع الذهبي وسط دهشة الجميع وذهولهم.

إنه المنتخب الكوري الجنوبي الذي أسقط “الأقنعة” عن القوى المعروفة، فزاحمهم ونافسهم بكل ندية، وانتزع حقه المشروع كي يحلم ويحاول تطويع الحلم إلى حقيقة.

كل الممهدات خدمت هذا المنتخب، فلم يخيب ظن عشاقه ليسير بخطى ثابتة نحو أفق بعيد، لقد فرض هيمنته في مجموعته ضمن الدور الأول التي تسيدها وحاز المركز الأول، ثم انبرى يعد العدة لمباراة الدور الثاني، فواجه منتخبا يعتبر من الأضلاع المكملة لـ”مملكة” القوى التقليدية، إنه المنتخب الإيطالي الذي لم يقدر على استغلال الأسبقية التاريخية لينحني لمشيئة “الشمشون الكوري”.

هذا “الشمشون” أو المارد الكوري بات أكثر ثقة وقوة، كان يريد المزيد، فجاء يوم الامتحان الموالي ضد منتخب إسباني قوي للغاية، لكن المنتخب الكوري الجنوبي استمر في “تطاوله” المشروع ليضرب موعدا مع التاريخ بعد أن أزاح من طريقه منتخب يصنف من بين الصفوة في العالم.

لقد غدا الحلم واقعا، فمن كان يتوقع أن يحقق منتخب كوريا الجنوبية هذا الإنجاز؟، من كان يتصور أن تسقط كل المعتقدات الراسخة أمام واقع جديد كسر النمطية في بطولة استثنائية كان شعارها الأول صعود المنتخبات “المستضعفة” وسقوط أغلب المنتخبات المهيمنة والمرشحة للمراهنة على اللقب؟؟

ما حدث ذات مرة في مونديال 2002 قد يتكرر، ومونديال روسيا ربما يتحول إلى إنجاز خرافي بعنوان “كلاكيت ثاني مرة”، لكن بطل “الفيلم الجديد” قد يكون هذه المرّة المنتخب الروسي المكافح والمجاهد، هذا المنتخب الذي استغل إلى حد الآن كل الظروف المتاحة ليتجاوز كل صعوباته ويحول نقاط ضعفه إلى قوة صمدت في وجوه كل المنافسين.

ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه هذا “الدب” الروسي بذاك “الشمشون” الكوري، فالقواسم المشتركة عديدة بينهما، و”اللعب مع الكبار” هو أسلوب بطولة اتخذه الطرفان فبرعا فيه.

المنتخب الكوري استغل تنظيم تلك البطولة أحسن استغلال فنال المراد وحقق المنشود، اليوم سار المنتخب الروسي على دربه، فاستغل بدوره تنظيم الحدث العالمي كي يكسر الجمود الذي رافقه طويلا في منافسات المونديال منذ انحلال الاتحاد السوفياتي، فتمكن هذه المرة من تخطي عتبة الدور الأول بعد محاولات يائسة خلال السنوات الماضية.

في دورة 2002 وجد المنتخب الكوري أمامه منتخبات قوية في الدور الثاني، من بينها المنتخب الإسباني لكن أزاحه من طريقه بفضل ركلات الجزاء، يا لها من مصادفة تتكرر اليوم، فالمنتخب الروسي تغلب بالطريقة ذاتها على المنتخب الإسباني وها هو اليوم يخوض منافسات الدور ربع النهائي ضد نظيره الكرواتي.

في بطولة 2002 تمكن المنتخب الكوري من تحقيق مكاسبه بفضل لاعبين مغمورين لا يعرفهم أحد في العالم، حقق المطلوب بعد تألق حارس مرماه الذي تميز في أغلب المباريات، بعد 16 سنة بدا المشهد مألوفا أو مكررا مع المنتخب الروسي الذي كان قبل البطولة من بين أبرز المنتخبات المرشحة للخروج المبكر، لكنه أبى وتمنّع.

ربما هي ميزة “هذا الدب” الذي نجح بفضل لاعبين متحمسين وحارس مرمى ذكّر جميع “الروس” بالأسطورة حارس المرمى السابق ليف ياشين في كسر كل القوالب، فوفّق في التطاول على الكبار وانتزع حقه المشروع في الحلم ومراودة الأمل.

23
مقالات ذات صلة