التطبيب عن بعد يهزم المصاعب في أفريقيا

تعاني القارة الأفريقية من انتشار الأوبئة التي تجد أرضية مناسبة في الأوساط الفقيرة إضافة إلى البنية التحتية التي تعيق إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصابين، لكن هناك حلولا بديلة أمام هذه المصاعب توفرها التكنولوجيا والتواصل الافتراضي.
الجمعة 2015/11/20
الإنترنت تمكن من متابعة التدريبات وجمع البيانات والتنسيق بين الفرق الطبية

تونس - أفريقيا التي تهزها الأزمات الصحية تباعا، وآخرها فيروس “إيبولا” الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألفا و300 شخص منذ ديسمبر 2013 في غرب القارة، استطاعت مؤخرا، القضاء على هذا الوباء القاتل، لتمنح شعوبها الأمل بحياة أفضل.

فهذه القارة التي لطالما كانت أرضية خصبة لاحتضان الأوبئة والأمراض جراء غياب البنية الصحية الملائمة، تتطلّع إلى القيام بـ”ثورة طبية” من خلال اعتماد استراتيجيات “التطبيب عن بعد”، والذي يمكن من نقل البيانات الطبية الإلكترونية عبر وسائط صوتية مرئية تفاعلية، ما يمكن من تقديم استشارات عن بعد والإشراف على علاج أو حتى عمليات جراحية، بحسب عدد من الأطباء الأفارقة ممن التقتهم الأناضول.

“شبكة أفريقيا الفرانكفونية للتطبيب عن بعد”، والتي أنشئت في 2001، من قبل مستشفيات وجامعة جينيف، بمبادرة من أطباء وطلبة من مالي وسويسرا، تتصدّر قائمة الفاعلين في هذا النشاط المستحدث، وقد تمكّن أعضاؤها من نسج شبكة علاقات تضمّ الآلاف من الناشطين ضمن المجال الطبي في شتى أنحاء العالم، بما في ذلك نحو 20 بلدا أفريقيا.

الشبكة أوضحت على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، أن أفرادها يقومون بالأساس بـ”متابعة طلبات المساعدة عن بعد، والتي تشمل التصوير الطبي، أو باستخدام الموجات فوق الصوتية، أو الصور الجلدية، أو لتقديم المشورة في ما يتعلّق بالتكفّل بحالة مرضية حرجة”، مضيفة أنها “أكبر شبكة للتطبيب عن بعد في أفريقيا”.

الدكتور تراوري بمستشفى “ديمبال” الواقع في أدغال مالي على بعد 800 كلم من العاصمة باماكو، يتابع عن بعد، تدريبا في علم الأوبئة والصحّة العامة بجامعة بوردو بفرنسا، وذلك بفضل ربط بشبكة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية وأدوات تكنولوجيا المعلومات المدعومة بالألواح الشمسية. كما تابع أيضا تدريبا عن بعد في استخدام جهاز الموجات فوق الصوتية، ما يمكّنه الآن من إجراء تشخيص بطريقة أكثر دقّة، وطلب، على سبيل المثال، رأي مختصّ في الأشعة متواجد في باماكو، دون أن يضطر إلى تكبّد عناء التنقّل إلى العاصمة.

وبالتوازي مع ذلك، “تستمرّ قافلة التكوين الطبي في تقديم دوراتها عن بعد”، والتي أطلقت بداية الشهر الجاري، بالمركز الطبي الجامعي في “كوكودي” بأبيدجان الإيفوارية، وذلك عبر ربط مع شبكة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، حيث تجوب، انطلاقا من الثالث حتى الـ24 من هذا الشهر، مناطق في كوت ديفوار، لـ”التوعية بشأن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال الصحة والتدريب الطبي عن بعد”.

شبكة أفريقيا للتطبيب تتابع طلبات المساعدة عن بعد، والتي تشمل التصوير الطبي، و استخدام الموجات فوق الصوتية

الدكتور حمدون ديا، رئيس قسم الرعاية الصحية عن بعد، في مالي، أشار إلى أنّ “التطبيب عن بعد مكّن من التنسيق بين أفراد بعثة جراحية إنسانية تكفّلت، في 2012، بعلاج أمراض الشفة الأرنبية (الشفة المشقوقة أو الحلق المشقوق/ من أنواع التشوّه الخلقي)”، و”بدأنا بتجنيد المرضى عبر الإعلانات التلفزيونية”.

ويتابع المختص المالي، “بمجرّد تشكيلنا لقاعدة بيانات هامة، قمنا باستدعاء المرضى إلى باماكو، وقد قدموا من شتى مناطق البلاد وحتى من موريتانيا وغينيا كوناكري. وإثر انتهائنا من جملة الفحوصات الأولية، سجّلنا النتائج على منصّة الاستشارات عن بعد التابعة لنا”.

وبالنسبة إلى هذا الطبيب المكلف، منذ ذلك الوقت، بتعزيز الرعاية الصحية عن بعد والمعلوماتية الطبية في مالي، فإنه يقول “الأطباء الذين كان من المفترض أن ينضموا إلى البعثة الإنسانية من الولايات المتحدة الأميركية، كانت لهم حسابات إلكترونية لاختيار المرضى الذين سيخضعون لعمليات جراحية، وذلك قبل وصولهم إلى مالي”، لافتا إلى أنه “إثر إنجاز هذه المهمة الإنسانية واصلنا متابعة مرضانا لمدة 6 أشهر، والأمر سيان بالنسبة إلى الأطباء الأميركيين الذين يتابعون هذه الحالات بشكل دقيق. وخلال عملنا هذا، وعلى امتداد 5 سنوات، تكفلنا بإجراء عمليات جراحية لـ87 مريضا يعانون من مرض الشفة الأرنبية في مالي”.

وعلاوة على مالي، استفادت العديد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من مبادرات مماثلة، على غرار بنين، التي تتصدّر لائحة المستثمرين في مجال التطبيب عن بعد، ممن ربطوا “المركز الوطني الطبي الجامعي” بكوتونو (العاصمة الاقتصادية للبلاد) بـ5 مستشفيات أخرى في المنطقة، بفضل مشروع للتنمية الصحية تتكفل فرنسا بتمويله منذ 2009.

وأشار الجراح التوغولي آتشي والا، إلى أنّه “ينبغي البدء بتحضير بنية تحتية صلبة، وربط قوي بشبكة الإنترنت وانتداب موظفين من ذوي الكفاءة، بهدف تحقيق الاستفادة الكاملة لسكان الأرياف والمناطق النائية في أفريقيا من تقنية التطبيب عن بعد”.

وخلال القمة الهندية الأفريقية الثالثة المنعقدة، أيام 28 و29 أكتوبر الماضي في نيودلهي، كشفت الحكومة الهندية أنها خصصت، على مدى السنوات الـ5 المقبلة، 125 مليون دولار لتمويل أشغال توسعة مشروع “الشبكة الأفريقية للتعليم والاستشارات الطبية عن بعد”، تحت إشراف مجموعة “الاتصالات الاستشارية للهند”، والتي تربط عبر الأقمار الصناعية والألياف البصرية، بين الجامعات والمستشفيات الهندية بالمنشآت نفسها في 48 بلدا أفريقيا، بما يمكن من نقل التكنولوجيا والمعارف إليها.

20