التطبيع الإيراني- الأميركي المستحيل

الجمعة 2013/11/22

انفتحت أميركا على إيران فاعتبرت الأخيرة أنها انتصرت على الجميع. إيران المثقلة بالعقوبات، والتي ما من حلفاء جديين لها في العالم، والتي تعاني انقساماً حادا في قلب تكوينها السياسي والاجتماعي تنتصر بمجرد انفتاح أميركا عليها، وقبل التوصل إلى أي اتفاقات واضحة.

أميركا الحليفة للسعودية والعرب لم تهب انتصارا سوى لإيران إذن. هذا الانتصار يترجم إيرانياً بالقضاء على الشعب السوري، وتمكين نظام بشار الأسد من سحق أي معارضة ضده، وإحكام سيطرة حزب الله على لبنان، وضرب أي دور للسعودية، والسماح لإيران بامتلاك سلاح نووي ورفع العقوبات عنها.

هذه مكونات الانتصار الإيراني، لكن ما يهمله منظري الانتصار المهدى من «الشيطان الأكبر»، هو أن الأنظمة الإلهية المقفلة لا تبني سياستها انطلاقا من السياسة نفسها، بل تخلق واقعاً متعالياً ومقدسا وتدفع في اتجاه تصنيفه سياسة من نوع خاص.

بلورت الجمهورية الإسلامية سياقاً لاهوتياً مقدساً ونهائياً، وصاغت أيديولوجيا تحولت إلى سيكولوجيا عامة وإلى صورة للذات الإيرانية. كل تلك البنية المقفلة تقوم على عنوان أساسي هو «العداء لأميركا».

ربما لو كنا نتحدث سياسياً، لأمكن القول إن هذا الشعار الذي شكل مشهدا يسم الحراك الإيراني تجاه العالم منذ وصول الخميني إلى سدة الحكم، هو مجرد خطاب يخضع لما يخضع له أي خطاب سياسي، أي القابلية للتعديل والتصحيح وحتى للإلغاء.

الأمر ليس كذلك داخل البنية الإلهية، لأن شعار «الموت لأمريكا» ليس خطابا بل هوية تحولت تحت سلطة الولي الفقيه إلى عنوان شبه وحيد للذات الإيرانية، وإلى مفهوم تأسيسي تصبح معه كل العناوين الأخرى تفاصيل تصب في خدمته. أبسط ما يمكن أن يقال عن إمكانية نجاح الانفتاح الأميركي- الإيراني أنه يتطلب خلق هوية إيرانية جديدة، ونسف كل رواسب شعار «الموت لأميركا» من سيكولوجيا الحرس الثوري.

ما لا تنتبه له الديكتاتوريات الدينية هو أن ما تجتهد في تأسيسه هو تحديداً ما سيقضي عليها. اللحظة التي يمكن أن تفجر النظام هي أيديولوجيته نفسها التي لا تسمح بالتمايزات إطلاقا. نفهم أن من يحاول الخروج عن النص النهائي فإن الموت سيكون مصيره. هذا المصير لا يفرّق بين من كان من صناع النظام نفسه، أو من كان يسعى إلى اكتساب حق التمايز عنه.

«الموت لأميركا» هو منظومة القيم التي صنعت عبر تراكم دعائي وإخضاع المجتمع لمنظومة قمع شرسة. الحرس الثوري لم يلغ شعار «الموت لأميركا» وردده في آخر احتفال له، وروحاني عوقب على اتصاله بالرئيس الأميركي برشقه بالأحذية. مشهد دبابات الحرس الثوري تسحق صحون الدش اللاقطة التي صادرتها من البيوت هو في بعده الرمزي تطبيق مباشر لشعار «الموت لأميركا». أليست أميركا صحناً لاقطاً يعلن عن سيطرتها على مجال إنتاج الصور.

«الموت لأميركا» شعار يتم استحضاره عبر بنى رمزية تعلن أن معادلة الوطنية الإيرانية تقوم على أن «الموت لأميركا» يعني «الحياة لإيران». أميركا الآن هي العالم، لأنها صانعة روحه ومؤسسة القيم المسيطرة عليه. والانفتاح عليها يعني الدخول في العالم. إيران تعتاش على العزلة وما شعار «الموت لأميركا» سوى عيد عزلة دائم، فهل تستطيع إيران الدخول في الكرنفال الأميركي الصاخب دون تدمير عزلتها بالكامل؟ وهل إذا ما أصرت القيادة الإيرانية الحالية على الذهاب بعيدا في ملف العلاقة مع أميركا سيكون مستبعدا أن نجد ضابطاً أو فرداً من الحرس الثوري يكفّر المرشد ويغتاله؟

أمر آخر لم يلتفت إليه منظرو الانفتاح الأميركي- الإيراني، ويتعلق بما أظهرته الدراسات حول ميل نسبة لا بأس بها من الشعب الإيراني إلى تأييده. يستعمل النظام الإيراني هذا المعطى للتدليل على أن تنازله البطولي- كما يسميه- إنما يقوم به استجابة لمطالب الشعب. التناقض يقع بين العنوان الذي يريد النظام الانفتاح على أميركا من أجله، والعنوان الذي يريده الشعب. النظام ينفتح على أميركا ليبقى دون أي تغيير على الإطلاق، والناس لا يريدون من الانفتاح سوى التغيير، تغيير الأوضاع المعيشية خاصة وصولاً إلى تغيير شكل النظام ودوره على الأقل. أميركا بالنسبة للناس تقيم في الصحون اللاقطة المسحوقة، أي في رمزية فعل الاتصال مع العالم، وأميركا بالنسبة للنظام تسكن في دبابة الحرس الثوري التي تسحق هذه الصحون. الانفتاح على أميركا الذي سيحافظ على نظام يملك مرشده الأعلى ثروة تقدر بـ 95 مليار دولار في حين يجوع شعبه، هل سيكون قابلا للتسويق في أوساط الشعب الجائع؟

للشعب الإيراني الجائع «أميركاه» المشتهاة، وللولي الفقيه المتخم أميركاه. هما لا تتشابهان في شيء ولا يمكن لأي منهما أن تسوّق دون أن تموت الأخرى، في حين أن «أميركا الأميركية» في مكان آخر.

______


* كاتب لبناني

9