التطبيع مع التوحش من خلال أزمة العراق وسوريا

الخميس 2014/08/07
التوحش هو حالة جمع سياسي بين الغلو الديني والنازية الدنيوية

سأحاول التوقف عند العنف باعتباره القاسم المشترك الأعظم في كمون كل نفس بشرية، العنف بتعريف منظمة الصحة العالمية. أي “الاستعمال المتعمد للقوة المادية أو السلطة في شكل تهديد أو ممارسة فعلية، ضد الذات، أو شخص آخر أو جماعة أو جالية لما يهدف أو ثمة احتمال كبير لأن يكون سببا في جرح أو قتل أو التسبب بخسائر مادية أو اضطراب في التنمية أو نقص”. أو كما تعبر باختصار فرانسواز هيريتييه: “كل إكراه من طبيعة نفسية أو جسدية”. إكراه يستفيق كشكل من أشكال الدفاع عن الأنا ووسيلة قصوى للتعبير عن الذات. كون الحدود المقبول بها مجتمعيا تصبح جد واهية عند تصدّع البنيان النفسي للأفراد والجماعات لأسباب متعددة تبدأ في مراحل الطفولة الأولى وقد لا تنتهي إلا في حلقة مغلقة لتدمير الذات والآخر، للتحول من حالة الشعور الذاتي بالذل إلى حالة تقاسم اللحم والدم في الموت كوسيلة وحيدة لتقاسم العالم. (…)

التكوين النفسي للقاتل وتمتعه بكل مواصفات الضحية في آن معا، لا يمنحه ورقة حسن سلوك. لكن هل بالإمكان مواجهة هذه الظاهرة، أو هذا الاختيار، دون الاعتراف بأن الأمر يتعدى مجرد “وعكة في الحضارة” أو أزمة يمكن احتواؤها أمنيا؟ نحن أمام حالة فراغ هائل: لقد وصلت حالة التفاوت بين الشمال والجنوب، بين القوي والضعيف، بين المركز والمحيط، بين الثقافة المركزية والثقافات الهامشية، بين عالم الغنى وعالم الكدح، شعوب الترف وشعوب القرف، وصلت إلى درجات لم تعرفها البشرية. كان الاقتصاد الاكتفائي يحمي شعوب المحيط في الإمبرياليات القديمة. أصبح دخول اقتصاد السوق اليوم أصغر قرية في أقاصي الأرض شرطا واجب الوجوب للهيمنة والسيطرة. وصار تحطيم وسائل الدفاع الذاتي الكلاسيكية عند الآخر جزءا من بناء مقومات الأمن القومي للذات.

عندما تصبح البربرية الذاتية شكلا من أشكال الدفاع عن النفس والوطن والقيم الغربية المهددة، وتدخل بربرية الآخر في تصنيف “الإرهاب” والشر والتخلف والتعصب إلخ، يصبح ولع المغلوب بطاعة منطق الغالب، باستحضار ابن خلدون، صورة من صور جلد الذات.. بالتأكيد، ليست الماركسية الخرساء والليبرالية العرجاء والقومية المنكفئة على ذاتها والتطرف الديني ماركة عربية إسلامية مسجلة، بقدر ما هي في أعماق أزمة بنيوية شاملة على الصعيد العالمي. بهذا المعنى، يشكل الإسلام قيمة أكيدة في مواجهة طوفان الأزمنة الحديثة. لكن، هل بالإمكان أن يكون الرد على الطغيان العالمي بأسلحة دفاع ذاتي ملوثة بكل أمراض الذات والآخر؟ وهل بالإمكان فك الشيفرة التي تبعث أحقادا تعود لخمسة عشر قرنا خارج المجتمعات الإسلامية، خاصة وأنها عسيرة الهضم وصعبة القراءة من أبناء هذه المجتمعات عينها؟ هل يمكن إبصار الإنسان والدين في القرن الواحد والعشرين في روايات صفراء منتنة لا تصلح إلا لإعادة استهلاك الموت والقتل؟

قدرة العولمة على جعل الهاتف النقال يتنقل بين مقعد الطائرة وظهر الحمار، في جعل الانترنيت وسيلة تواصل ومواجهة في منهاتن والفافيلا ومعبر رفح وحلب المقطعة الأوصال، في جعل الكلاشينكوف سلاحا مشتركا بين الشركات الأمنية والجماعات التكفيرية، في جعل العملة الخضراء التي تحمل بكل صفاقة جملة "بالله نؤمن" In God we trust القاسم المشترك الأعلى لكل المرتزقة والتكفيريين وأشباه السياسيين. واختزال حقوق الإنسان في مجرد سلعة سوق عند الأقوياء ووسيلة من وسائل تخفيف الخسائر عند ألد أعداء النظم والقوانين الوضعية. (…)

لم تأت “خلافة داعش” من العدم. وكما شارك الأوروبي في دفع أكثر من 250 مليون دولار لتحرير رهائنه في أفريقيا والعراق وسوريا دفع رجال الأعمال في العراق الإتاوات الشهرية لحماية مؤسساتهم من عمليات التفجير الأعمى التي تتحدث عنها وسائل الإعلام بذكر المكان والزمان وعدد الضحايا وأحيانا اسم التنظيم المسؤول عن الجريمة. أما المال السلفي فبعد “دورات التدريب” الأفغانية وحملات الملاحقة التي تلت 11 سبتمبر تمكن أخيرا من بناء منظومة (سستام) موازية كاملة خارج اقتصاد السوق. توقفت الولايات المتحدة عن بناء السجون السرية وفرض القيود الصارمة على “الإرهاب”. بل أعلنت نهاية الحرب عليه. أليس الموقف من الولايات المتحدة هو المعيار الأول والأخير لأي تصنيف؟ رغم الانتشار الهائل لجماعات تحمل كل مواصفات اللجنة الأممية الخاصة بالإرهاب لم يصنف على القوائم الأميركية إلا من فشلت الإدارة الأميركية ومخابراتها في “التواصل” معه.

حمل قرار داعش توسيع رقعة تنظيمها وساحتها لسوريا من العراق فيروس التطبيع مع ممارسات الاستئصال والقتل العشوائي والاغتصاب والخطف

هل يمكن فهم ظاهرة التوحش دون العودة إلى ظاهرة الشبيحة والتشبيح التي عاشتها سوريا؟ هل يمكن جمع عناصر الأحجية دون استرجاع صورة “العنجهية الأمنية” التي لم تتحمل فكرة الاحتجاج على الأوضاع؟ هل يمكن تجنب الحديث عن حالات الثأر المتأخرة التي حملها أبناء ضحايا المواجهة المسلحة بين الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين والسلطة السورية في 1978-1982؟ وهل يمكن أخيرا للعنف في حراك اجتماعي مدني أن يشكل دعامة بناء وتقدم وتغيير ديمقراطي؟

لم نصل إلى اختراع البراميل المتفجرة عند القامع ومدفع جهنم عند المقموع في ليلة وضحاها. وكما حاولنا في الجزء الأول تبيان مقومات العنف المفرط في العراق لا يمكن للقارئ إلا أن يستعيد شريط الأحداث: تداخل الخارجي والداخلي، الإيراني والسعودي ومهووس العثمانية الجديدة في أنقرة مع القابلية الباثولوجية لبعض النخب للتبعية بل للاستعمار. غابت الكفاءات السياسية، وصعد استرخاص الارتزاق والانفصام عن الألم الإنساني عند كل الذين نصبوا أنفسهم قيادة لشعب في طور التمزق. لقد جرت عملية الانتقال من الحراك المدني الشعبي إلى حرب قذرة للآخرين في وضح النهار وحتى اليوم ما زال أبعد الناس عن الحرية والديمقراطية والثورة يصدّر نشرات أخباره بجملة: سوريا الثورة.

ماتت الدكتاتورية في العقول وفي النفوس مبكرا. وحطم الشبيبة الصورة “الإيجابية” للفساد منذ الأسابيع الأولى. إلا أن العنف عاد بنا إلى اقتصاد الحرب الفاسد والمفسد بالضرورة. وصار أكثر ضحايا الفساد بالأمس يبحثون عن تمويل هنا وحساب مصرفي هناك. لقد حفر أشباه الثوار قبر الثورة قبل أن يحفروا قبر النظام. وصارت الوسائل اليائسة والبائسة آخر سبل الانتقام من وحشية الحلول الأمنية ووضاعة من نصبه بعض العرب والغرب وصيا على تضحيات شعب. فشل الإشراف المباشر لمسؤولي الأمن في إدارة “الأزمة” وفق المصالح القومية العليا.

لم ولن تتمكن أجهزة الأمن في الغرب والإقليم من قتل فكرة الثأر التي لن تعترف بالحدود التي رُسمت لهذه المأساة، الأكثر هدما وتحطيما في تاريخ البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.


من إعلان الهدنة إلى إعلان الخلافة


من الضروري تجنب إسقاط الأوضاع السورية على العراقية أو العكس. فقد بدأت الجهادية التكفيرية في البلدين بمسارين مختلفين. إلا أن قرار دولة العراق الإسلامية توسيع رقعة تنظيمها وساحتها القتالية قد حمل لسوريا من العراق فيروس التطبيع مع ممارسات الاستئصال والقتل العشوائي والاغتصاب والخطف والترحيل وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث.. بكلمة، التطبيع مع التوحش.

وقد وجد خطاب التعبئة المذهبية والحرب المفتوحة مع الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها أرضا خصبة ليس فقط في صفوف الحركات المتطرفة السورية والحركة الإسلامية السياسية التقليدية التي حكم عليها النظام السوري بالإبادة السياسية منذ عام 1980، كذلك فعل نظيره العراقي في نفس الفترة، وإنما أيضا في صفوف أعداء النظام السوري الإقليميين والغربيين. ولم يلبث المشهد المذهبي أن اجتاح الخطاب السياسي ليكتشف عدد من كتّاب “الحداثة” شجرة عائلاتهم المذهبية ومواقع بائسة في وجود بائس وصراعات مسطحة مدمرة.

داعش توثق لاغتيالها الكرامة الإنسانية عبر إعلامها معتبرة الجريمة فضيلة والتوحش جهادا والعدوانية واجبا

لم يأت الترياق أول ما أتى من صيدلاني معروف أو عالم جهبذ. بل صاغه أحد مغموري الأوساط الإسلامية ثم تكفلت المواقع الإسلامية على الشبكة العنكبوتية بالتوزيع الواسع والحشد لما اختصره مقال في 10 /8 /2011 عن حلول عهد الصلح الآمن الإسلامي-الغربي:

"لكي تنتصر الثورة السورية لا يتحقق نصرها إلا بثلاثة أشياء:

أولا: طائفية الثورة: أي يجب أن تكون ثورة تتبنى التوجه الطائفي السني الشيعي وتتبنى فكرة القضاء على النفوذ الصفوي النصيري وتحالفه.

ثانيا: عسكرة الثورة: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا للالتحاق بجيش الشام ثم سيكون الانطلاق للقضاء على باقي الصفويين والشيعة في كل من لبنان والعراق وإيران.

ثالثا: تحالف مع الغرب الرومي وتدخله لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أخبر بانطلاق تحالف إسلامي غربي من بلاد الشام وتحديدا من سوريا لإنهاء العدو المشترك في إيران حسب ما حددته نظرية حلول عصر الصلح الآمن الإسلامي-الغربي ويجب أن تتهيأ الساحة والمشاعر من الآن لقيام ذلك. وعليه نحن نتبنى التدخل الغربي على غرار التدخل الغربي في ليبيا على الأقل ولكن ندعو إلى تدخل أوسع.

كان يمكن لهذه الورقة أن تمر دون توقف طويل عندها. لكن موقع حركة الإخوان المسلمين وسبعة مواقع إسلامية تناقلتها في أقل من 24 ساعة. ولعلها تعبر عن مرحلة انعطاف مركزية في تاريخ الحراك الشعبي في سوريا. خاصة وأن كل من أفتى بالتدخل العسكري الخارجي أفتى بالجهاد في سوريا وركز على مذهبية الصراع واعتبر العسكرة وسيلة وحيدة لإسقاط النظام (بما في ذلك معارضة الفنادق التي ثبتت في برامجها أن لا حوار ولا تفاوض).

فتح هذا النهج المدمر الذي حارب اللاءات الثلاث (لا للعنف، لا للطائفية ولا للتدخل الخارجي العسكري) الأبواب مشرعة للغلو والمذهبة والعنف الأعمى. وفي أي سباق بين الغلاة، يصبح الاعتدال كفرا أو خيانة والتفكير السياسي بدعة والقتل شرعة. وقد أيد السفير الأميركي روبرت فورد هذا التوجه وقال لي بكل صراحة ووقاحة: "هي حرب بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية وستنتهي ولو بعد زمن بانتصار الأغلبية ".

لم يكن فورد يعلم بأن صداقاته الجهادية ستصبح في المصطلح التكفيري “صحوات”. وأن الوحش (الذي يحاول عبره تحقيق اختراق استراتيجي في المنطقة بعد هزيمته في العراق) متعدد الرؤوس وأن هذا الوحش لن يتوانى عن قطع أحد رؤوسه بنفس الوحشية التي يقتل فيها عدوه "الرافضي".


انتهاكات داعش


في عام 1949 توقفت الدول السامية الموقعة على اتفاقيات جنيف أربع مرات عند ما أسمته “الأفعال المحظورة في جميع الأوقات والأماكن” وهي:

أ‌- الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب.

ب‌- أخذ الرهائن.

ت‌- الاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة للكرامة.

ث‌- إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا وتكفل جميع الضمانات القضائية في نظر الشعوب المتمدنة. (المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع).

حالة التوحش هذه لم تأت من فراغ.. فقد زرع ثمارها الثلاثي (بوش، شيني، رامسفيلد)

من المؤلم القول إن سرد انتهاكات داعش لحقوق الإنسان والبيئة والتراث يعد عملا عبثيا لأن هذه الجماعة جعلت من بث انتهاكاتها وسيلة ترهيب وتمكين وسيطرة ورعب لكل من يخالفها الرأي. داعش توثق لاغتيالها الكرامة الإنسانية عبر إعلامها معتبرة الجريمة فضيلة والتوحش جهادا والعدوانية واجبا وقتل الآخر ضرورة لإقامة حكم الله في الأرض. ويتكفل إعلام التشفي والكراهية بالبحث عن المسوغات والمبررات في عمليات “تجميل” تقبح وجه أصحابها.

لا شك أن حالة التوحش هذه لم تأت من فراغ. فقد زرع ثمارها الثلاثي (بوش، شيني، رامسفيلد) الذي علقّ حق الإحضار habeas corpus وشرعّ للتعذيب وأعاد السجون السرية والقوائم السوداء وعلمّ الخارجين من باغرام وغوانتانامو أن القانون الدولي الإنساني كالدمية يلعب بها المرء كما يشاء. لا شك أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستبيح كل الحقوق والمقدسات والكرامات… لا شك أيضا أن أقبية سجون الاحتلال وحكوماته في العراق وأقبية الدكتاتورية في سوريا قد تفننت في التعذيب والخطف والقتل خارج القضاء. كنا نمضي الأسابيع والأشهر والسنين بحثا عن الأدلة في جرائم هذا وذاك. تقوم داعش اليوم بنفسها بعرض جرائمها الوحشية باعتبارها انتصارات.

التوحش هو حالة جمع سياسي بين الغلو الديني والنازية الدنيوية باعتبارهما أبشع شكلين عرفتهما البشرية في الأزمنة المعاصرة. كما أنه درجة متقدمة من الجنوح النفسي تتجاوز منهجية العنف والعدوانية المنفلتة العقال.

إنها التعبير الأكثر غريزية وبدائية للرغبة المكبوتة في السيطرة على المال والجنس والسلطة في ثياب طهرانية زائفة ووعي ديني مشوه.

يختصر قادة داعش فعلتهم في تفجير الذات في الآخر بعد اغتصاب مقومات إنسانيته بحزام صغير يحيط بجسد حملة هذا المشروع الظلامي يذكرنا بالحبوب التي اعتاد الضباط النازيون على حملها. فرغم كل الموانع الصارمة للانتحار في الثقافة العربية الإسلامية لا يجد الداعشي، سعوديا كان أو كويتيا أو أوروبيا أي تردد في الانتحار في لحظة المواجهة مع “الآخر”… هذا الآخر الذي خيره وهو يضع البندقية بين عينيه، بين البيعة والطاعة والذل.. وإن كان محظوظا يمكن أن يسمح له بالترانسفير.


ملاحظة:


*الدراسة الأولى للدكتور هيثم المناع بعنوان: "خلافة داعش من هجرات الوهم إلى بحيرات الدم" نُشرت في صحيفة العرب 30/07/2014، العدد: 9633

*الفصل الأول من الدراسة الثانية للدكتور هيثم المناع بعنوان "خلافة داعش وصناعة التوحّش" نشر في صحيفة العرب 06/08/2014، العدد: 9640

7