التطبيقات والهواتف الذكية تقلص إبداع المستخدمين

يرجح العديد من الخبراء أن الطرق التقليدية في الكتابة والإبداع والتعامل مع الكثير من تفاصيل الحياة آخذة في الاضمحلال لتحل محلها الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والرجال الآليون.وأكدت الدراسات الحديثة أن انخراط المستخدمين في استعمال أجهزتهم الذكية بكل ما تحتوي عليه من تطبيقات بشكل مفرط قطع مع الأشياء الملموسة كالمكتبات العمومية، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي أسرع في التعامل مع الأحداث ونقلها وأيسر في التعرف على الأمراض وعوارضها، لكنه مقارنة بالقلم والكتاب فتح ثغرات أمنية أمام القراصنة للسيطرة على الأدمغة بدل تزويدها بالعلم والحكمة.
الأحد 2016/08/14
رفوف محركات البحث تعج بالكتب

لندن - كشفت دراسات حديثة ظهور وسائط جديدة للكتابة والإبداع نتيجة تنوع التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي وانخراط الشباب في الكتابة والقراءة من خلال أجهزة الكمبيوتر وتحميل الكتب والبحث عنها عبر محركات البحث الإلكترونية بدل المكتبات العمومية.

ورجحت هذه الدراسات أن يقع القطع مع الإبداع في عصر الهواتف الذكية، معتبرة أن الثورة الكبيرة في الاتصالات والمعلومات أعطت الفرصة لظهور أشكال جديدة من الكتابة لم تكن معروفة من قبل، وظهر ما يعرف باسم التدوين المصغّر، حيث يمكن لشخص من خلال هاتفه الذكي كتابة تدوينة من 140 حرفا فقط يقرأها الملايين من المتابعين له على شبكات التواصل الاجتماعي.

وأوضحت الدراسات أن التكنولوجيا قلبت الموازين من عدة جوانب، حتى الجانب الشخصي تغيّر، فهناك الآن كتّاب لم يعودوا يستخدمون القلم بل يكتبون مباشرة على الكمبيوتر، بالإضافة إلى اعتمادهم الكلي على محركات البحث وأشهرها غوغل في تقصي المعلومات، في حين يملك البعض منهم مكتبة كبيرة تحتوي على الآلاف من الكتب والقواميس.

وبدأت الصورة القديمة للكاتب الذي لا يستطيع الكتابة دون إمساك للقلم ورجوع إلى رفوف مكتبته، تضمحل شيئا فشيئا، وتؤكد الأبحاث أن المشكل لا يكمن في مسألة تعامل الكتّاب مع التكنولوجيا، بقدر ما هي مشكلة جيل بأسره دخل الكمبيوتر حياته وجعله متلقيا للمعلومات وباثا لها عبر تدوينه تفاصيل مختلفة من حياته ومن الأحداث التي تدور حوله بشكل آني ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أن هذا الجيل لم يعد يخصص وقتا للمطالعة لأنه موزع بين الدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي وبين استخدام تطبيقات الهواتف الذكية.

ومع موجة هذا التطور التقني قامت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، على هامش فعاليات أولمبياد ريو دي جانيرو الحالية، باستخدام برنامج كمبيوتر تم تصميمه داخليا من أجل إعداد مئات التقارير الإخبارية بشأن أحداث الأولمبياد.

وتنشر هذه التقارير الإخبارية على الموقع الرسمي للصحيفة على الإنترنت وكذلك على منصّات البث المختلفة للجريدة مثل حساب الصحيفة على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي، دون أيّ تدخل من عنصر بشري.

كتابة تدوينة من 140 حرفا فقط من خلال الهاتف الذكي تحظى بالملايين من المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي

ونقل الموقع الإلكتروني “ري كود” المعنيّ بأخبار تكنولوجيا المعلومات عن جيريمي جيلبرت رئيس قسم المشروعات الرقمية الجديدة بالصحيفة قوله إن “الفكرة تكمن في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعداد تقارير إخبارية سريعة ومبسطة بشأن نتائج المباريات، وأعداد الميداليات وغيرها من التقارير القائمة على البيانات الإحصائية، بحيث يتفرغ الصحافيون بالجريدة لإعداد التقارير الأكثر أهمية وصعوبة”. وأكد جيلبرت “نحن لا نحاول استبدال المراسلين، ولكننا نحاول إتاحة الوقت أمامهم”.

ويعكف فريق من مهندسي الكمبيوتر والصحافيين بالجريدة على متابعة البرنامج الذي يحمل اسم “هيليوجراف” وتشكيله للتأكد من أنه يؤدي المهام الموكلة إليه على النحو المطلوب.

ويقول جيلبرت إن “صحيفة واشنطن بوست لديها طموحات كبيرة في هذا المجال لا تقتصر على وجود برنامج لكتابة التقارير الإخبارية القصيرة”.

ولم يقف تأثير ظهور هذه الوسائط عند حد ظهور أشكال جديدة من الكتابة أو التدوين فقط، بل بلغ حد ابتكار باحثين في جامعة هارفارد لقلم سحري لطباعة المعادن بتقنية ثلاثية الأبعاد في الهواء، وصناعة نماذج مختلفة من هذه المعادن بشكل فوري.

ولا يحتاج القلم الذي تم الكشف عنه في وقت سابق من هذا العام إلى أدوات إضافية للعمل، بخلاف الطابعات ثلاثية الأبعاد التقليدية، وبدلاً من ذلك، يستخدم حبراً مصنوعاً من جزئيات نانو الفضة، والتي تتحول إلى الحالة الصلبة بواسطة شعاع ليزر مع خروجها من القلم.

الاصطناعي أخذ حيزا في حياة البشر بعيدا عن الأدوات القديمة

وتمكن صناعة العديد من الأشكال المعقدة والمنحنية باستخدام هذا القلم، والتي يمكن أن تساهم في تعزيز تقنيات جديدة في عالم الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء.

ويتم ضخ الحبر المعدني عن طريق فوهة القلم، وتساعد الطاقة المنبعثة من شعاع الليزر على تحوّل هذا الحبر إلى الحالة الصلبة، مما يسمح للمستخدم بإنشاء العديد من الأشكال والتصاميم خلال ثوان معدودة بتحريك القلم في الهواء.

ويرى القاص والناقد المصري يوسف الشاروني، أن هناك تطورات على ضوء ما حدث في القرن العشرين، خاصة في الربع الأخير منه حيث تسارعت الاكتشافات، وهو ما نتجت عنه تطورات علمية سريعة في كل مجالات الحياة، مشيرا إلى أن ما تحقق في هذا الصدد من تطورات كان بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات، حتى أن العالم أصبح قرية عالمية واحدة وصغيرة، ولم يعد كما كان في الماضي عالما مترامي الأطراف، وذلك بفضل شبكة الإنترنت وتطبيقات هذه الشبكة.

ويشير الشاروني في هذا الصدد إلى ما أحدثته هذه التطورات في شكل الوسائط المرتبطة بالكمبيوتر الآلي والإنترنت من تطورات في أشكال مخرجات الإبداع خاصة القصة، حيث لم تعد القصة مقصورة فقط على شكل القصة المطبوعة التقليدية المعروفة فحسب، بل ظهرت أشكال أخرى حيث بدأ الشباب في تحويلها إلى قصة مرئية أو مسموعة من خلال الوسائط المتعددة والتطبيقات التي تزخر بها الهواتف الذكية.

وكان أحد المخرجين المبدعين قد قدم ما يمكن اعتباره أول فيلم في العالم من تأليف الكمبيوتر، خلال مهرجان الخيال العلمي الذي أقيم مؤخرا في لندن.

قراصنة الإنترنت يستخدمون واجهة الدماغ الحاسوبية المستخدمة على نطاق واسع من أجل تسجيل ردة الفعل اللاإرادية للدماغ

وهذا ما يبين أن الذكاء الاصطناعي أخذ حيزا في حياة البشر بعيدا عن الأدوات القديمة، حيث قال مخرج الفيلم في تقديمه للفيلم “كنا نشعر بالفضول لمعرفة ماذا يمكن أن يحدث، فيما لو قمنا بتدريب روبوت ذكيّ على عمل شيء مختلف، وهو كتابة سيناريوهات أفلام الخيال العلمي”.

ويعتبر مدير مهرجان الخيال العلمي على خلفية مقابلته مع الروبوت الذي كتب نص الفيلم، وكانت نتيجة المقابلة عبارة عن إجابات غير متناسقة، تجمع بين عبارات لا يربط بينها أي رابط، أن كتابة نصوص أفلام سينمائية ناجحة باستخدام الذكاء الاصطناعي لا تزال أمرا بعيد المنال.

ويرى الناقد المصري محمد السيد عيد، أن الكتابة ستبقى ما بقي الإنسان، ولن تتغير إلا الوسائط التي تنقل الإبداع إلى المتلقين، وبالتالي سيتغير شكل الكتاب لكن لن ينتهي دوره، فإذا كانت الصدارة متوقعة للكمبيوتر، فإن ذلك لن يقضي على المكتبات ولن ينهي دورها، ولكنه يؤدي إلى تغيير شكلها، فبدلا من المخازن والأرفف المكدسة بالكتب، ستحتوي المكتبة على ديسكات وأقراص ليزر.

ويبدو أن الطفرة التكنولوجيا تحاول التخلي عن هذه الأقراص التي أشار إليها السيد عيد، حيث كشفت مجلة “ستريو بلاي” المتخصصة في موضوعات التكنولوجيا أنه يمكن تحويل التسجيلات المحفوظة على الأقراص المضغوطة “سي دي” إلى ملفات صوتية رقمية، أي إلى صيغة الترميز “إف. إل. أيه. سي” بالنسبة إلى الأجهزة التي تعمل بنظام التشغيل ويندوز أو صيغة “أيه. إل. أيه. سي” في حالة أجهزة أبل.

فتح ثغرات أمنية أمام القراصنة للسيطرة على الأدمغة

وأفادت المجلة أنه في حال وقع استخدام صيغة الترميز المناسبة، يمكن ضغط الملفات الأصلية الموجودة على أقراص صلبة بنسبة 50 بالمئة تقريبا مع إمكانية تحويلها إلى أيّ صيغة أخرى دون أيّ مشكلات في جودة الصوت.

في الوقت نفسه فإن عشاق الموسيقى الذين ينقلون الملفات المحفوظة بصيغ بالغة المرونة مثل “إم. بي 3” إلى قرص مضغوط، فإنهم لن يتمكنوا من سماع هذه التسجيلات في حالة تشغيلها على مشغل أقراص مضغوطة أو جهاز كمبيوتر. وإذا أعيد تحويل التسجيل الموجود على قرص مضغوط إلى ملف صوتي رقمي مرة أخرى فإن جودة الصوت ستتراجع بشدة وهو الأمر المعروف باسم “فقدان تعاقب الأجيال”.

وقال الشاعر المصري شعبان يوسف، أتصور أن مستجدات مثل العولمة تهدف إلى ضرب الثقافة الخاصة لكلّ أمة من الأمم ذات الحضارة، ويبدو أن التطور التكنولوجي لا يضع البشر في خطر من خلال الثقافة فحسب، إذ كشف خبراء من جامعة واشنطن عن قدرة قراصنة الإنترنت على الوصول إلى أدمغتنا عبر قراءة الإشارات العصبية والحصول على معلومات شخصية من خلال أجهزة الكمبيوتر. ويشعر الباحثون بقلق شديد تجاه هذا الأمر، حيث طالبوا المسؤولين بتمكين إجراءات الخصوصية ومعايير الأمن من أجل منع تسلل القراصنة إلى داخل الدماغ البشري.

ويستخدم قراصنة الإنترنت واجهة الدماغ الحاسوبية المستخدمة على نطاق واسع في المجال الطبي وغيرها من الصناعات بما فيها التسويق، من أجل تسجيل ردة الفعل اللاإرادية للدماغ.

وعلى الرغم من أن هذه التقنية وجدت في البداية من أجل تحسين حياة الإنسان، ولكن يبدو أنها وصلت إلى الأيدي الخطأ التي تعبث فسادا من خلالها.

القطع مع الإبداع في عصر الهواتف الذكية

ويقول باحثون في الجامعة إن الوقت ينفد حاليا وعلى المسؤولين تعزيز الأمن من أجل وقف أولئك الذين يريدون استخدام عقولنا لمحاربتنا. وقال الخبير، هوارد تشيزك “إن لم نعالج هذه المشكلة الخطيرة بسرعة، ستخرج الأمور عن السيطرة”.

وأوضح تشيزك عند تشغيل لعبة فيديو قد نرى شعارات لعلامات تجارية مألوفة تظهر على الشاشة ثم تختفي، حيث يضع القراصنة مثل هذه الصور في اللعبة ويسجّلون استجابة الدماغ اللاإرادية لهم باستخدام “بي سي أي” الواجهة العصبية المباشرة التي يمكن ارتداؤها وهي مزودة بأقطاب متصلة بجهاز الكمبيوتر.

وأشار تشيزك إلى إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا يوما ما في الدعاية، بغاية جمع المزيد من المعلومات عن العملاء، كما يمكن تحديد ردّة فعل المستهلك تجاه الإعلان عن سيارة جديدة مثلا أو صورة للبيتزا لمعرفة ما يرغب به المستهلك.

والجدير بالذكر، أن تقريرا جديدا أظهر إنفاق أصحاب الهواتف الذكية أكثر من 80 بالمئة من وقت استعمالهم للأجهزة الذكية ضمن خمسة تطبيقات.

ويستمد التقرير بياناته من دراسة حديثة أجرتها مؤسسة فورستر للأبحاث اعتمدت فيها على مزيج من المعايير مثل تتبع السلوك والتبليغات الشخصية التي يقوم بها المستخدم، حيث توضّح الدراسة تركيز معظم وقت استخدام الهواتف الذكية على عدة تطبيقات محددة.

وتعتبر هذه التطبيقات الأكثر شعبية بالنسبة إلى مستخدمي الأجهزة المحمولة، وذلك على الرغم من وجود الملايين من التطبيقات المتاحة لمستخدمي نظام “أندرويد” و“أي أو إس” و“بلاك بيري” و“ويندوز فون” وغيرها من الأنظمة.

وشكلت تطبيقات فيسبوك وغوغل التطبيقات الأساسية والأهم لمستخدمي الهواتف المحمولة، بالإضافة إلى تطبيقات أخرى مثل واتس آب وسناب شات.

18