التطرف الديني بقايا تاريخ مهمل وانعكاس لحال المنطقة وأزماتها

الخميس 2014/08/14
التطرف الديني وتعبيراته الطائفية لا يمكن إلا أن يفرز إقصاء للآخر وتهجيرا وقلعا من الجذور

التعصب لعرق أو دين أو مذهب أو طائفة أو رأي هو قاتل للمتعصبين، ولا يتفق التعصب مع مبدأ الحريات ومنطق التسامح الديني، وكلما كنا أقرب إلى البداوة كلما وفرنا مناخا أكثر خصوبة للعصبية والتطرف والحروب، مكونين لبقع منكوبة على كوكب أراد الله له الخير والسلام، وتتسع البقع ونتحول إلى كوكب معطوب يتآكل بفعل الوحشية المتأتية من العصبية والجهل والتطرف والفتن.

لقد دفع طغيان العثمانيين والصفويين، الذي كان قائما على العصبية والتطرف وامتطاء الدين واستعباد الشعوب باسم الدين، الشعوب إلى التفكير في الخلاص حتى ولو على يد مستعمر غير مسلم، فلما زال طغيانهما عن المنطقة أصبحت منقسمة على نفسها وكل شطر فيها يترفع على الآخر، منكلا به، طاعنا في هويته.

كما أصبحت المنطقة في فراغ تام عبأه الفرنسيون والانكليز بطريقتهم، ولما نجت المنطقة من المستعمرين وقعت في مأزق القومية وتعصبها وقلة تجربتها، ورغم أن التجربة القومية كانت في خطاها التحررية الأولى سطورا مضيئة في عملية التحرر العربي، إلا أنها كانت مليئة بالأزمات وشهدت تداولا عنيفا على السلطة في بعض الدول، ولا تزال تبعات هذا التداول قائمة مهلكة بالعراق.

كما ظهرت ونمت قوى الإسلام السياسي المتطرفة، وبات لها أن تتوسع في أجواء خصبة قومية، وغير قومية، متفقة ومختلفة على أفكار ورؤى، وكان لابد من اكتمال عناصر وباء التطرف فيها، فجاءت ثورة الشعب الإيراني لتكمّل تلك العناصر.

تلك الثورة التي سرقتها جماعة الإسلام السياسي المتطرف في إيران عام 1979 من العمال واليسار الإيراني، وبعد اكتمال عنصري التطرف الديني عاد الصراع في المنطقة من جديد إلى شكله التاريخي السابق وبأبشع صور التطرف الديني والطائفي والمذهبي.

وقد أصبحت الآراء في هذا الاتجاه معززة بمال وسلاح ودعم سياسي، وخطاب تخدير ينطلق من ثقافة بنيوية أسست كلغة لهذا الوباء، لتشتعل المنطقة بأسرها وتصبح حطبا للتطرف الذي يدعي التحدث باسم الدين وخلافة الله، ويقوم هذا النوع من التطرف والخلافة الإلهية في إيران على شكليات دينية ممزوجة بعادات تاريخية وانتماءات قومية شديدة مستترة بعباءة الدين لم يهذّبها الرقي البشري بعد، إضافة إلى خلط بين الانتماءات القومية والأعراف الموروثة، وأطماع توسعية غير معلنة، لكنها تذكر بالصفوية.

ولبلوغ الغايات يباح احتضان الشر، وتباح دماء المناضلين وأموالهم وحرماتهم وما يملكون، ويطعن في إيمانهم ويوصفون بالكفر وتغص بهم السجون، ويحاكم الأغلبية منهم بأكثر من حكم على تهمة باطلة واحدة، فمن انتمى إلى جماعة رأي يعدّ كافرا خائنا معاديا للنظام ولله، في حين أن كثيرا قد اعتقلوا ولم يروا ولم تعرف أسماؤهم سجلات ولا سجونا أو محاجر توقيف، فقد قتلوهم في أماكنهم، أو قتلوا وقبروا سرا.

ادعموا التسامح وأوقفوا تشويه الدين ورسالات السماء، وأعيدوا للعراق مسيحييه وانقذوا الإنسان فيه من التطرف

أما على الصعيد الخارجي فقد كانت هذه الثورة المسلوبة المصدرة وبالا على العالم وعلى المنطقة، فقد كان لها لغة وثقافة وأرصدة وعناوين ومسؤوليات تسعى وراء مواضع الأزمات وشركائهم في الفكر والتوجه والتطرف، خاصة أولئك الذين لا يعلنون عداواتهم الطائفية.

وفي إطار هذا التوجه الميكيافلي لمدرسة التطرف الإيرانية لم تهمل العلاقات مع أي جانب وخاصة الغالبية العظمى من قوى التطرف في المنطقة والعالم، فكانت العلاقات قائمة مع كل الفصائل المتواجدة على الأراضي الأفغانية بما في ذلك طالبان والقاعدة، ومن يعتقد بوجود قطيعة بين إيران والقاعدة مخطئ فلابد أن يلتقي الشركاء لقاء مصالح وتبادل مواقف.

أما القوى الدينية العربية المتطرفة فهي قوى أحضرت معها سواد جاهليتها، وخلطت بين الدين وجذور جاهليتها وأعرافها وبنت للدين نهجا يتطابق مع رؤيتها وأهدافها، فصعدت من تطرفها، وبدأت تستقطب بأبواقها العالية جماهير ومناصرين غيبت عقولهم دهورا وخلى واقعهم من الوعي، وتبنت العداء لمن يخالفها الرأي، فإن لم تكن منهم فأنت على غير هدى ومن الهالكين، وزاد العداء للآخرين في جانب، وزاد خلافها الداخلية في جانب آخر، فتشققت وأصبحت جماعات شتى يرفض بعضها البعض.

وكما للتطرف الذي تصدّره الخلافة الإيرانية لغة وفكرا ونهجا وأرصدة وتوجها، فكذلك هو حال التطرف الديني العربي الذي تتبناه تلك الجماعات المتطرفة، بل وأصبحت له مدارس وحلقات تزرع الفكر وترعاه وتموله وتحتضنه، فلم يسلم منه صغيرا او كبيرا رجلا أو امرأة، طفلا أو بالغا.

ولابد أن تتحمل مدرسة التطرف الدينية العربية مسؤولية ما يجري في العراق من اضطهاد وقتل للأقليات والطوائف الأخرى، وكذلك الحال في مصر وسوريا، فعصابة داعش ولدت من رحم وباء التطرف الديني العربي، كغيرها من المواليد غير الشرعية التي تريق الدماء بغير حق وتستبيح الأعراض، فلم يكن مسيحيو العراق في حرب مع داعش أو القاعدة، وكذلك جميع العراقيين من سنة وشيعة وإيزيديين وتركمان وأكراد.

لذا نقول أوقفوا ما صنعتموه فقد يصل وباؤه إليكم قريبا والتاريخ مليىء بأحداث مشابهة. أوقفوا مدرسة التطرف لتنعموا بالأمان في الخليج والعراق ولبنان واليمن وفلسطين ومصر والسعودية وقطر وليبيا والمغرب العربي وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان، ادعموا التسامح وأوقفوا تشويه الدين ورسالات السماء، وأعيدوا للعراق مسيحييه وانقذوا الإنسان فيه.

لقد أهملنا بناء فكر معتدل يقوم على الفضيلة كبديل للفكر المتطرف، "كنتم خير أمة أخرجت للناس" مشروطة بالأمر بالمعروف. أنقذوا الإسلام، أنقذوا رسالات الله الرحيمة، انقذوا المنطقة من التطرف الذي سيحصد الجميع إن استمروا في غفلتهم.

كاتب عراقي

13