التطرف الديني يضع مستقبل الجزائر على المحك

التيارات الإسلامية المتشددة تسللت إلى الدولة والمجتمع في الجزائر منذ وقت مبكر، وذلك نتيجة سياسات خاطئة وخيارات مغلوطة مارستها الانتهازية السياسية التي تحالفت بدورها مع الأصولية. وبدأت هذه الجيوب الإسلامية بنخر المؤسسات التربوية والقضائية والاقتصادية وغيرها، كما تسببت في أحداث دموية وأعمال إرهابية مازالت أشباحها تهدد بالعودة إلى اليوم ما لم يتمّ اجتثاث أسبابها ومعالجة مظاهرها بصفة عمودية قبل أن تكون أفقية.
الجمعة 2017/12/08
انقلاب السحر ضد الساحر

لم تتوقف السلطة في الجزائر عبر طريق سلسلة طويلة من التنازلات منذ الاستقلال عن تعبيد الطريق للإسلام السياسي، والذي أفرز بدوره الإرهاب البربري الذي بلغ مستوى كاد يطيح بالنظام ذاته ويعصف بالدولة الجزائرية كلها. ولا تزال الدولة برمتها تحت رحمة ضغوطه المعنوية والإرهابية.

لقد بدأت مساومات النظام في مسائل شكلية وخطابية ولكن تحولت مع الوقت إلى تنازلات أساسية ملموسة. وقد باتت مؤسسات الجمهورية الجزائرية ملغومة جراء تلاعب السلطة واستعمالها للدين بل والمزايدة به من أجل البقاء في الحكم.

وعلى عكس ما يقول أغلب المحللين، لم يكن ظهور الإسلاميين على الساحة السياسية في بداية التسعينات وفوز حزب جبهة الإنقاذ الساحق مفاجأة في انتخابات 1990 البلدية ولا في الدور الأول من تشريعيات 1992 وإنما نتيجة حتمية لمواقف السلطة الانتهازية تجاه القوى المحافظة الدينية منذ 1962.

وبمجرد أن ظهرت الأصولية علانية على الساحة السياسية، وتمكنت من تحويل أغلبية دينية إلى أغلبية سياسية عن طريق الضغط والعنف وتواطؤ السلطة، وصلها الدعم المعنوي الخارجي من التنظيم الدولي للإخوان ومن نظام الملالي في إيران وغيرهما من قوى التخلف.

هكذا ومن بلد كان يسير بخطى حثيثة نحو التحديث والحداثة، تحول بسبب حسابات سياسية وصراعات عصبية من أجل الريع وضغط الإسلاميين وعنفهم فيما بعد إلى بلد يهرول نحو التخلف والمناشدة في طلب تحقيق حكم ثيوقراطي.

مؤسسات الجمهورية الجزائرية ملغومة جراء تلاعب السلطة واستعمالها للدين بل والمزايدة به من أجل البقاء في الحكم

لقد فُتح المجال للإسلام السياسي منذ فجر الاستقلال وبدأ ينشط بشكل رسمي تحت غطاء الجمعيات الخيرية والثقافية والاجتماعية. وربما خير مثال على ذلك جمعية “القيم الإسلامية” التي كان هدفها المعلن مقاومة التغريب في الجزائر ولكن تبيّن فيما بعد أنها أم الإسلام السياسي الجزائري، بل أصبح الكثير من أعضائها من رواد الحركة التي أفرزت الجماعات الإرهابية المسلحة في الجزائر ابتداء من منتصف الثمانينات.

وقد عين رئيس هذه الجمعية الأصولية المبكرة أمينا عاما لجامعة الجزائر سنة 1963 وهكذا وضعت الجمعية قدما لها في قلب الحرم الجامعي فور تأسيسها وبدأت تقوم بدور المستقطب المنظم والجامع للإسلاميين.

لم تكن خطب علي بلحاج النارية التي بدأ يطلقها منذ سنة 1988 سوى الصدى لخطب مصباح حويدق المتشددة التي كان يلقيها في بداية الاستقلال (1962) بمسجد الحراش شرق العاصمة دون أن يثير اهتمام نظام الرئيس بن بلة آنذاك.

الرئيس العروبي الاتجاه الذي استقبل بأريحية مئات الإخوان المسلمين الذين كانوا في سجون عبدالناصر الذي تخلص منهم وأرسلهم في بعثات تدريسية إلى الجزائر كمعلمين وأساتذة فزرعوا فكرهم بين الشبان الجزائريين ولا تزال المدرسة الجزائرية تعاني من ظلامهم إلى اليوم فحتى وإن كان المعلمون من الجزائريين اليوم فهم متشبعون بفكر من كانوا أساتذتهم من الإخوان.

و من المدرسة تسلل الإسلاميون إلى قطاع القضاء وفرضوا على المشرع الجزائري منع الجزائريين غير المسلمين كالمسيحيين واليهود من التمتع بالجنسية الجزائرية.

ومن المدرسة والقضاء انتقل اللوبي الإسلامي إلى مرحلة أخرى هي محاولة التسرب إلى مصادر القرار كجهاز الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني ومنظماته الجماهيرية ونقابته الوحيدة.

وقد كانت الزوايا في الجزائر بعد الاستقلال حاضنة لهذه الأصولية الصاعدة وكان زعماؤها يطالبون بإرساء دولة دينية علانية ويقدمون كل أنواع الدعم لمن يعمل من أجل ذلك من الإسلاميين، تلك الزوايا التي يقدمها النظام اليوم كحامية للدين الصحيح من أجل استغلالها سياسيا كانت في أغلبها موالية للاستعمار بالأمس.

الانتصار الثقافي للتيارات الإسلامية قد يتحول إلى انتصار سياسي في قادم الأيام وتلك هي استراتيجية الإخوان منذ نشأتهم

وذهب النظام بعيدا في الأسلمة والأظلمة ابتداء من سنة 1970، من أجل كسب ودّ الإسلاميين وأصبح ينظم حملات رسمية ضد تردي الأخلاق وتقهقر القيم. وقد تمت أثناء تلك الحملات محاكمة شبان وشابات بتهمة الإخلال بقيم المجتمع بمجرد جلوسهم معا في الحدائق العامة أو السير معا في الشوارع أو ارتداء بعض الملابس.

ولإسكات أصوات الحداثة في الجزائر تم سنة 1971 حل ومنع الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين والقبض على عناصره المسيرة والزجّ بهم في السجن.

وكان ذلك انتصارا للتوجهات الإسلامية التي شهدت انتعاشا كبيرا بين 1970 و1975 حيث أسست أكثر من 100 جمعية أغلبها مستلهم من فكر وتجربة جمعية القيم الإسلامية المذكورة سابقا والمحظورة منذ 1966.

وجاء الميثاق الوطني سنة 1976 كهدية من السماء بالنسبة إلى الأصوليين، هذه الوثيقة الأيديولوجية التي فرضها الرئيس بومدين عن طريق نقاشات شعبوية توصي وبالحرف الواحد بـ“ضرورة تقوية المواد الدينية وجعلها أساسية في البرامج الدراسية” وهكذا تحولت التربية المدنية إلى تربية دينية أصولية بحتة.

وفي سنة 1980 استورد الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، الإخواني محمد الغزالي كمستشار في الشؤون الدينية، ولم تمرّ سوى 4 سنوات حتى ضربت الجزائريات في الصميم بفرض قانون أسرة حرمهن من حقوقهن الأساسية وجعل منهن قاصرات ومواطنات من الدرجة الثانية.

وفي سنة 1988 ومع انتفاضة أكتوبر العارمة في الجزائر ظهر التيار الإسلامي كقوة سياسية منظمة تملك من الإمكانيات المادية والبشرية ما يؤهلها للاستيلاء على الحكم بالقوة وصندوق الاقتراع، وأصبح ممثلا بحزب رسمي هو حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي أوصل البلد بمعية النظام إلى الكارثة الأمنية والاقتصادية والأخلاقية التي تتخبط فيها الجزائر اليوم.

وإن انهزمت التيارات الإسلامية عسكريا واستسلمت عساكرها تحت مسميات مختلفة وانهزمت بالمقاطعة وعدد الأصوات في صناديق الاقتراع بمناسبة الانتخابات التشريعية التي جرت في بداية مايو 2017 فإنها انتصرت ثقافيا في الجزائر إذ سمح لها النظام ببسط هيمنتها على المجتمع وقد يتحول ذلك الانتصار الثقافي إلى انتصار سياسي في قادم الأيام وتلك هي استراتيجية الإخوان منذ نشأتهم.

وهكذا راح البلد ضحية سمّ أفعى ذات رأسين، واحد انتهازي وآخر أصولي، وإن تصارعا سياسيا وعسكريا فثقافيا وفكريا، فقد كانا دوما متحالفين ضد الحرية وكل انفتاح ديمقراطي يضمن إرساء حقوق الإنسان بمواصفات عالمية في الجزائر.

وكل المؤشرات تدل على أن ذلك التحالف لا يزال قائما وسؤال الرئيس محمد بوضياف المغتال بتواطؤ العدوين الصديقين ما زال راهنا: الجزائر، إلى أين؟

13