التطرف تخلف

الأحد 2014/06/01

التطرف بكل أشكاله مرفوض وغير محبذ لدى الغالبية العظمى من الناس ليس فقط لكونه يتضمن مبادئ وقيما وسلوكيات متطرفة بل لكونه يتضمن الكثير من التناقضات عملياً لدى أصحابها. ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر اليسار الليبرالي واليمين المتشدد.

الليبرالية هي كلمة لاتينية “ليبراس″ وتعني “حر” وحسب التعريفات المتداولة عالمياً الليبرالية هي فلسفة سياسية تقوم على مبدأ الحرية والمساواة، وبشكل عام يدعو أصحابها إلى دستور الدولة والديمقراطية والانتخابات الحرة والنزيهة وحرية وحقوق الفرد في الدولة وحرية الاعتقاد. ويُعد المفكر الإنكليزي جون لوك المؤسس لليبرالية كفلسفة مستقلة، وكانت فلسفته تقوم على أن مبدأ الحرية والملكية الخاصة حق طبيعي للفرد بما أنه خلق حراً ولا يُملي عليه الآخرون ما يؤمن به وما يقوم به. وتعتبر الليبرالية الغربية معارضة للفلسفة التقليدية والتي هي امتداد لمعتقدات الكنيسة والتي تساوي في العالم الإسلامي التشدد الإسلامي. أما الليبرالية العربية والتي في معظم منظومتها اقتباس غير موفق من الليبرالية الغربية تعتبر معارضة لفلسفة الإسلاميين المتشددين والذين هم امتداد عقائد وفكر القرن السابع عشر الإسلامي حسب تفسيراتهم للقرآن بما يتماشى مع ما يرغبون في رؤيته على أرض الواقع.

الإسلاميون المتشددون هم أصحاب الخطاب الديني المتشدد، أي هم من يقرأون النصوص القرآنية بمعزل عن التاريخ والحدث الذي أنزلت فيه الآيات القرآنية، ولذلك نجدهم أول من يُقاوم التقدم والمدنية بأشكالها المختلفة. وهم أول من يُحارب حقوق الإنسانية المدنية والمساواة بين المرأة والرجل. كما أنهم يميلون إلى تفسير الآيات القرآنية بما يتناسب وأهواءهم الذكورية والتي تساندهم فيها معتقدات المجتمع الذكوري الذي يعيشون فيه والذي يحرصون على بقائه بصورة أو بأخرى. كما أنهم يميلون إلى تفسير مجمل الآيات القرآنية التي تدعو إلى المساواة وتكريم المرأة تفسيراً يؤدي إلى كبت المرأة بشكل عام باسم الدين ونشر العنصرية . إضافة إلى نشر العنف والقتل باسم الجهاد الذي أسيء تفسيره من القرآن ويتجلى ذلك في الوقت الحالي فيما نشاهد ونسمع عنه في أحدات ثورات الربيع العربي.

وبالإضافة إلى إصرارهم على تعميم بعض الآيات القرآنية المرتبطة بأحداث وزمان معينين فهم فكريا يصرون على تطبيق قيم القرن السابع بل ويعتبرونه المرجع لهم، وما تقوم به كل فترة وأخرى من تنظيمات غير منطقي، ومثال على ذلك تنظيم الإخوان الإرهابيين، وداعش والقاعدة وطالبان وغيرهم من التنظيمات والجماعات التي تعمل جل جهدها للعودة إلى الوراء وبناء دولة الخلافة التي لايزالون يختلفون على من يكون إمامهم. وقد ذكر لي أحد المهتمين بتفسير الآيات القرآنية أنه في قراءاته لتاريخ دولة النبي محمد (ص) في المدينة، وتحديداً في وثيقة المدينة التي كتبها النبي محمد (ص) كدستور مدني تحتوي الوثيقة على 53 بنداً نصفها لصالح المسلمين والنصف الآخر لغيرهم، وذكر لي أن الدولة التي قامت في عهد النبي محمد (ص) هي دولة مدنية وليست دينية، وجاء ذلك واضحاً في قوله تعالى “لا إكراه في الدين” (سورة البقرة الآية 256)، والسلطة إكراه، لذا لا سلطة في الدين. فهل يتغافل مثل هؤلاء عمّا جاء على لسان محمد(ص) أم أنهم يتوهمون أمورا أخرى وغير واعيين أن الحساب يكون بين الإنسان وربه وليسوا هم من سيحاسبون عن الآخرين، ولكن مع ذلك يصرون على وضع التشريعات التي لا حقّ لهم في وضعها، فالتشريع هو من عند الله وبيد الله بل وهناك من سيدخل الجنة برحمة من رب العالمين وليس برحمة من الإسلاميين المتشددين، ويبدو ذلك جلياً في قوله تعالى “والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم” (البقرة آية 105).

التطرف في الحالتين الليبرالي العربي المزيف والتشدد الإسلامي هو تخلف بحد ذاته. كلاهما يتهم الآخر بالتطرف وهما أصل التطرف، الليبرالي المزيف متطرف بفكره الشاذ والإسلامي متطرف بفكره المتعصب الذي يدعو إلى العنف والكراهية. المتشدد الإسلامي يسعى إلى المال والسلطة والليبرالي العربي يسعى إلى المال والشهرة، كم هم متشابهون ولا يزالون يهاجمون بعضهم بعضا!

الليبرالية الغربية واضحة تدعو إلى الحرية التي هي جزء من طبيعة تكوينها الثقافي والاجتماعي بطريقة أو بأخرى، أما الليبرالية العربية فهي اقتباس لكن بشكل سلبي. فمعظم من تبنى الفكر الليبرالي من العرب إما أن يكون قد بدأ حياته منتمياً للتشدد الإسلامي ثم لسبب أو آخر انسلخ عنه وانضم إلى فئة الليبراليين المزيفين لما لقي فيه من حرية تصل أحياناً إلى حد المجون. والبعض الآخر يكون قد نشأ في مجتمعات مكبوتة وكانت الليبرالية هي الطريق الوحيد للتفريغ عن كبته وخصوصاً الكبت الجنسي.

الليبرالية عند الكثير من العرب هي الإباحية الفكرية التي تليها الإباحية في السلوك وتحديداً السلوك الجنسي، مغلفة في الكثير من الأحيان بقناع النفاق والازدواجية، يقولون شيئاً ويفعلون عكسه. فهناك الكثير من الرجال وباسم الليبرالية من يستخدمون قضايا المرأة ليس إيماناً بحقوقها بقدر ما هو سعي للوصول إلى سريرها. وهناك من النساء اللاتي تدعين الليبرالية وهي لا تفقه أسسها بل جل ما تعرفه أن لها الحرية في تناول الكحول وممارسة الجنس بحرية وتعددية.

ولا يختلف عنهم الإسلاميون المتشددون الذي يحطون من شأن المرأة باسم الدين والله والرسول سعياً لكبتها وحتى تنصاع لرغباتهم التي يحللون ويحرمون فيها كما يشاؤون ويشتهون. الليبرالي يتهم الإسلامي بتعدد الزوجات، والإسلامي يتهم الليبرالي بتعدد العلاقات خارج المؤسسة الزوجية، والاثنان هدفهم واحد من المرأة وهو استغلال المرأة. من الليبراليين المنشقين عن أصولهم المتشددة لايزالون متزوجين بنساء متشددات إسلاميات، وعندما سألت أحدهم لماذا الاستمرار مع اختلاف التوجه والفكر، قال إنه يعلم أنها لن تمارس ما تمارسه النساء الليبراليات من تعدد خارج العلاقة الزوجية، وهنا يظهر لنا التناقض الذي يعيشه الليبرالي العربي. وفي المقابل هناك متشددون متزوجون من نساء أشبه ما يمكن أن نسميهن ليبراليات، وعندما تسأله لماذا، يقول إنه يعمل على أن تتوب على يده، ومن ثمة يحصل على مفتاح الجنة أو يبنى له الله بيتا في الجنة. وأتذكر هنا الممثل سعيد صالح عندما قال في مسرحية العيال كبرت “وسأطالب بتحرير المرأة ثم القضاء عليها في نفس الوقت”، وهذا هو ما يفعله الليبراليون العرب والإسلاميون المتشددون.

الليبراليون والإسلاميون المتشددون يتغافلون عمن يعيش بينهم من أفراد يختلفون عنهم في الفكر وفي مناهج الحياة ولا يريدون بأية حال من الأحوال الانتماء لأية فئة ليبرالية كانت أو إسلامية، فأين حقوق هؤلاء عندهم واحترامهم لحرية ما يرغبون في اختياره! التطرف يساوي التخلف سواء أكان سلفيا، علمانيا، إخوانيا أو ليبراليا أو غيره. فليسقط التطرف وليسقط التخلف واللعنة على من يستمتع بجرّ العالم إلى الهلاك.

5