التطرف في احتكار الثروة

السبت 2015/01/24

جاء التقرير الأخير لمنظمة “أوكسفام” حول الاتساع المرعب في الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء على صعيد عالمي، ليسلط الضوء من جديد على هذه الظاهرة الرجعية والمعادية لقيم حقوق الإنسان. فبأي منطق يستحوذ واحد بالمئة فقط من أغنياء هذا العالم على أكثر من 50 في المئة من الثروة العالمية كما ذكر التقرير. وكيف يمكن معالجة ظاهرة وجود مليار جائع في العالم دون إجراء تصحيح جذري في توزيع الثروات.

التقرير فصّل أكثر بالحديث عن أن ثروة أغنى 80 فردا في هذا العالم تقدر بنحو 2 تريليون دولار، ويعادل ذلك ثروة 3.5 مليار إنسان يقبعون في درك سلم الدخل على صعيد عالمي. وليست مفاجأة على الإطلاق أن يهيمن على قائمة الثمانين الأثرياء عمالقة قطاع البنوك والتأمين والقطاع المالي بصورة عامة، فضلا عن قطاعات التكنولوجيا والصناعات الاستخراجية. إذ باتت تلك القطاعات الخدمية تهيمن على إنتاج الاقتصاديات العالمية. مع ضرورة الإشارة إلى أنها لم تهيمن نتيجة تراجع أهمية القطاع الصناعي في الغرب على ما يدعي البعض مستخدماً ذلك كحجة لدفع اقتصاديات العالم المتخلف للعمل بالخدمات وإهمال الصناعة، بل بسبب ارتفاع أسعار منتجات قطاع الخدمات بفعل ارتفاع إنتاجيتها، فيما حافظ القطاع الصناعي في الغرب على إنتاجيته ولم يجر تخفيض كميات الإنتاج على الإطلاق.

يوما بعد آخر، يتضح عدم صوابية نظرية “السوق الحر” غير المقيّد التي تدّعي أن جعل الأثرياء أكثر ثراء أثناء سير العملية الاقتصادية، سوف ينعكس على كل قطاعات وفئات المجتمع، وسيجعل بدوره الآخرين أكثر ثراء. هنا ردد الليبراليون من دون كلل أن علينا أن نخلق الثروة قبل التفكير بتوزيعها، مدفوعين بنظرة تحمل شيئا من العنصرية إذ تستبطن تفوق الأغنياء الذين يملكون وحدهم الموهبة للاستثمار والتشغيل. وراحوا تاليا يقدمون نصائح متهافتة للفقراء، أبرزها تلك التي تدعوهم إلى عدم التطلع بعين “الحسد” إلى ثرواتهم، إذ يمكن أن يتحولوا هم أنفسهم إلى أغنياء، لكن، وفقط، عبر جعل الأغنياء أكثر غنى. هي عملية طويلة الأجل من وجهة النظر تلك، قد تستمر عقودا أو قرونا من يدري؟

المطلوب فقط أن ندع الحرية للأفراد في اختياراتهم الاقتصادية وتعاملاتهم، هكذا يردد الداعمون لاقتصاد السوق والكارهون لتدخل الدولة. مع ذلك، انقلب بعض الاقتصاديين على تلك الأفكار وخصوصا بعد الانهيار المالي العالمي في العام 2008. أدرك كثيرون أن الحفاظ على النظام الرأسمالي يتطلب، على أقل تقدير، تقييد خيارات السوق والعاملين فيه. لقد ثبت بما لا يدع مجال للشك بأن عقلانية البشر التي كان يعول عليها هؤلاء قد تنقلب بسهولة إلى لاعقلانية، بل إلى جنون يؤدي إلى إفلاس آلاف الشركات والمؤسسات، ومئات آلاف البشر.

هكذا ففي أعقاب أزمة 2008، بات هنالك تقبل أكبر للتدخل الحكومي، خصوصا في تعاملات أسواق المال. ويذكر أحد الاقتصاديين أن نموذجا اقتصاديا “محكماً” لتسعير الأصول المالية أعده علماء اقتصاد ونالوا عنه أحد جوائز نوبل، فشل في قراءة الأسواق المالية على نحو صحيح ولم يتحسس أي انهيار قادم، بل كان يتحدث عن نمو وازدهار القطاع المالي. وإذا كان العلماء قد فشلوا في أن يكونوا “عقلانيين”، فمن أين تأتي العقلانية للأفراد الذين يحركهم الربح أكثر من أي شيء آخر. يقول المثل القديم: حتى القرود يمكن أن تسقط عن الأشجار. الجميع معرض للفشل ويشمل ذلك السوق الحر.

في حقيقة الأمر، فإن النظام الاقتصادي المعولم القائم والمهيمن حاليا، يعمق الاستقطاب على صعيد عالمي، سواء بين الدول الصناعية والدول المتخلفة، أو بين الأفراد الأكثر ثراء وبقية سكان الأرض بما فيهم مواطنو الدول الصناعية ذاتها. وهذا يدفع شعوب دول الأطراف إلى ردود أفعال ترفض تلك الحلقة المفرغة من التبعية والفقر التي تدور فيها بلدانها. بل يدفعها في أحيان كثيرة إلى ردود فعل عنيفة على شكل ثورات انفجارية من دون حتى قيادة واعية لها. في أحيان أخرى يكون رد الفعل عبر العملية الديمقراطية إن وجدت، وذلك بانتخاب حزب يفتح على أفق جديد مناهض للتبعية ويسعى إلى فك الارتباط مع الغرب.

حدث ذلك في دول أميركا اللاتينية التي شهدت موجة عارمة من صعود أحزاب يسارية إلى الحكم، نجحت في تخفيض معدلات الفقر وتعزيز التنمية الوطنية، لكنها لم تكن عند تطلعات الناخبين في معظم الأحيان. ونشهد اليوم الأمر نفسه في اليونان، حيث يهدد انتخاب حزب “سايريزا” بفقدان الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد والبنك الدوليين التأثير على ذلك البلد الغارق في الفقر والمكبل بالديون. إذ يبدو الحزب اليساري عازما على الخروج من منطقة اليورو، ورافضا لخطط التقشف التي سحقت الفئات الأكثر ضعفاً في اليونان، بل وينتظر أن يوقف حتى سداد الديون المترتبة على بلاده.

وتبدو التهديدات التي يطلقها الغرب متوعدا الناخبين اليونانيين بمستقبل مظلم في حال صوتوا للتغيير مألوفة ومفهومة، إذ لطالما انشغل هذا الغرب بابتكار سياسات تعمل على إدارة أزمات شعوب الأطراف، متجاهلا أنها أزمات لم يعد بالإمكان التعايش معها.


كاتب فلسطيني سوري

9