التطرف في عقاب الطفل يفقده ثقته بنفسه إلى الأبد

الخطأ الذي يقترفه الطفل يمكن أن يصاحبه مدى الحياة. هذه حصيلة أحدث الدراسات في مجال علم نفس الطفل، إلا أن الخطأ الذي ذهبت إليه محصلة الدراسة يحمل معنيين متوازيين ومشتركين؛ فخطأ الطفل هو إساءة السلوك بشكل واضح، ما يستدعي معه تدخل الأبوين أو المربين بقصد التوبيخ أو اللوم الذي يستدعي عقابا من نوع ما، أما الخطأ الأكثر أهمية فيكمن في طبيعة ردّ فعل الأهل على سلوك الطفل الخاطئ، ردّ الفعل الذي يتخذ في بعض الحالات صيغة المبالغة في لوم وتحقير الطفل بطريقة قد تؤدي بصورته الذاتية إلى أدنى مستوياتها، وقد يفقد جرّاء هذا التطرف في ردّ الفعل والعقاب، ثقته بنفسه إلى الأبد.
الأربعاء 2017/01/18
إحساس بالدونية والضعف

يحمل الطفل، ضحية التطرف في العقاب، صورة مشوّهة عن نفسه من الصعب تغييرها مع مرور السنوات، وأكثر من ذلك، يقر متخصصون بأن الطفل الذي يكبر ويصبح بالغا سيدرك عاجلا أو آجلا بأن اللوم الذي تلقاه والصفات التي نعت بها قد لا يستحقها أو لا تنطبق عليه بالضرورة، وعلى الرغم من ذلك فإن شعورا بالمرارة واعتقادا بتدني الذات يبقيان مصاحبين له.

ويورد الطبيب النفسي وأستاذ اللغة الإنكليزية بكلية كوينز، في جامعة مدينة نيويورك الأميركية، ليون أف سيلتزر، مثالا من خلال أحد مرضاه الذي دأب على زيارته في عيادته التخصصية التي أنشأها منذ العام 1986. وكان هذا المريض قد عانى مرارا في سنوات طفولته القاسية من صراخ أمه وتوبيخها الفظيع، مع أيّ خطأ يرتكبه مهما كان بسيطا، وكان يتخلل هذا الصراخ وعيد وتهديد وعبارات جارحة من مثل؛ “هل أنت غبي؟”، “ما هي مشكلتك يا أحمق؟”، “يتوجب عليك أن تعرف ما هو الصواب منذ الآن!”.

وهكذا، يقول سيلترز “مع مرور الوقت والسنوات كبر الطفل ولم يتوصل بعد إلى معرفة الصواب، كما أنه مازال يتعامل بصعوبة مع المهام التي تطلب منه، فضلا عن ذلك، فإنه لا يستطيع تجنب فكرة كونه عاجزا عن فعل الصواب ولا يمتلك الذكاء والقدرات الشخصية الأخرى التي تعينه في ذلك، وهو مضطرّ إلى الاتكال على الآخرين (الأقوياء والأذكياء)، ومنهم والدته، لإرشاده إلى الطريق الصحيح. أي إنه غير مؤهل من وجهة نظره للاعتماد على نفسه”، وهذه الحالة يعتبرها متخصصون درجة متقدمة من صورة الذات المشوّهة والمتدنية.

ونتيجة لذلك، نشأ الصبي الذي أصبح رجلا، وهو يحمل فكرة خاطئة تماما عن نفسه، وصار مقتنعا تماما بتدنّي قدراته العقلية والشخصية، يسيطر عليه اعتقاد ويقين بأنه؛ عالة على الآخرين، غبي، غير محبوب، خائب الأمل، غير جدير بالثقة، وبالتالي يتوجب عليه أن يكون مثاليا إلى أقصى حدّ، حتى يحظى برضا الناس. وراكم هذا الصبي مشاعره السلبية هذه عن نفسه من دون وعي، حيث حفرت كلمات اللوم والتوبيخ والإهانات التي تلقاها في طفولته جرحا غائرا في نفسه، يصعب التخلص منه.

الطفل الذي يكبر سيدرك عاجلا أو آجلا بأن اللوم الذي تلقاه والصفات التي نعت بها قد لا يستحقها أو لا تنطبق عليه بالضرورة

وعلى الرغم من الإنجازات المهمة التي حققها في حياته، فإنه كان يراها في عقله الباطن على أنها مجرّد صدف وضرب من الحظ، إذ أن ثقته في نفسه كانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها بسبب أفكاره المسبّقة عن نفسه. ويرى سيلترز أن أخطر ما تواجهه عملية التربية، هو أن يفقد المربون أو الأهل في الغالب السيطرة على انفعالاتهم، في عملية توجيه الأبناء إلى خطأ أو سلوك غير محبّذ، ولأنهم المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه الطفل في الحصول على الدعم والإسناد العاطفي، فإن التوبيخ والتجريح يعمل كرادع نفسي عميق ومناقض لوظيفة الشخص الأساسية بالنسبة إلى الطفل، باعتباره مصدرا للرعاية والاهتمام والحب، حيث يتحوّل إلى مصدر للخوف والألم والتهديد، وهذا هو تحديدا ما يقوّض دعائم السكينة في نفس الطفل فينشأ بشخصية عليلة ترى الحياة من خلال ستارة رمادية تحجب عنها نور الطموح والتوق إلى النجاح، مع ندبة كبيرة في القلب.

وبحسب متخصصين في علم نفس الطفل، فإن الصغار في هذه السن غير ناضجين عاطفيا بما يكفي ليدركوا الخط الفاصل بين النقد المباشر والحقيقة، فيميلون إلى أخذ الحديث العادي على محمل الجدّ، ولذلك فإن أيّ كلمة توبيخ قد تصدر من الكبار في لحظة غضب طارئة، قد تترك أثرا عميقا في نفوسهم ويتخذونها على محمل الجدّ كمسلمات وحقائق لا يمكنهم التخلص منها بسهولة. كما أنهم ليسوا كبارا، بما فيه الكفاية ليدركوا أن ما قيل لهم ربما يعكس شخصية الآخر أكثر من كونه يتعلق بهم.

يعاني الأطفال من قصور واضح في التطوّر المعرفي، ونتيجة لذلك، وعندما يتمّ الاستخفاف بهم فإنهم لا يستطيعون التعامل مع التقريع والتوبيخ بشكل يمكن أن يحيله إلى معنى إيجابي، أي أنهم يأخذون الكلام بحذافيره كمسلمات، حيث يفترضون أن ما قيل لهم عن قصورهم هو حقيقة لا يمكن أن تتغيّر، فهم يطوّرون معتقداتهم الخاصة عن أنفسهم ومفهومهم لذواتهم من خلال طريقة تعامل الكبار معهم.

ويرى الباحث الأميركي كوبر سميث، أن إشباع الحاجة إلى تقدير الذات تؤدّي إلى ثقة الفرد بذاته وشعوره بقيمة نفسه، وعلى العكس من ذلك فإن عجزه عن إشباعها قد يؤدّي إلى الإحساس بالدونية والضعف، الذي قد يؤدّي بدوره إلى الشعور بالإحباط. ويمكن أن نصف الأشخاص ذوي التقدير المتدني بأولئك الذين يفتقرون للثقة بقدراتهم، ولا يستطيعون إيجاد حلول لمشكلاتهم، ويعتقدون أن معظم محاولاتهم ستبوء بالفشل، كما أنهم يشعرون بأن ذكاء الآخرين أفضل من ذكائهم وينتابهم إحساس بالفشل والعجز والقلق عند تعاملهم مع الآخرين، ويركز أصحاب التقدير المنخفض عادة على عيوبهم ونقائصهم وهم أكثر انصياعا لآراء الجماعة، ويميلون إلى موافقة آرائهم والانحياز لطلباتهم ورغباتهم، لعدم القدرة على إبداء وجهة نظر خاصة بهم.

21