التطرف يحارب فكريا وأمنيا

الأحد 2015/04/12
حرب تونس على الإرهاب ثقافية قبل أن تكون أمنية

تونس - تعتبر ظاهرة الإرهاب ظاهرة جديدة نسبيا في تونس، حيث لم يتعوّد عليها التونسيون ولم يعرفوها سوى في بعض الحوادث المعزولة، فبقيت بالتالي أساليبها في المواجهة تعتمد على النظرة والآليات القديمة. وقد أخذ هذا الواقع الجديد، الذي ظهر مع “الربيع العربي”، البلاد على حين غرّة، وهي حديثة العهد بأيديولوجيا التطرّف، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ في التعامل مع هذا الملف، خاصة وأن الأرضية السياسية كانت تساعد على ذلك.

وبعد أربع سنوات، انتقلت البلاد من حالة الصدمة إلى مرحلة ردة الفعل وصنع الترياق الذي سيحمي التونسيين من هذا الخطر، الذي لن يكون سهلا استئصاله، نظرا لارتباطه بسياسات سابقة صنعت الأرضية النفسية والاجتماعية لنموّه، وتداعيات خارجية مؤثّرة، تبدأ بما يجري في الجارة الحدودية ليبيا ولا تنتهي عند مراكز التدريب في سوريا.

وقد أكّد سالم بوخداجة، أستاذ الحضارة، أنه لا يجب أن يوهم التونسيون أنفسهم بأنّ التّصدي لظاهرة الإرهاب مسألة هيّنة، بل عليهم أن يكونوا واعين بأنها حرب طويلة المدى ستأخذ حيّزا كبيرا من الوقت”.

وبالنظر إلى استفحال خطر هذا الطارئ الإرهابي أضحت أساليب مجابهته والتصدي له تستوجب تحيينا ومراجعة هيكلية من أجل أن تثبت نجاعتها سواء من طرف الدولة أو من طرف مكونات المجتمع بمختلف تفرعاته السياسية والمدنية والثقافية.

ولفت بوخداجة إلى أنّ الوصفات الجاهزة والسريعة لمواجهة هذا الخطر المتربّص يمكنها أن تحدّ من الظاهرة لبعض الوقت، لكنها لن تكون كفيلة بالقضاء عليها من جذورها، وبالتالي فإن التونسيين مطالبون بصياغة سياسة وطنية طويلة المدى للتعامل مع الظاهرة ومواجهتها، وهي سياسة ذات وجوه من بينها، إلى جانب الدور الأمني والسياسي، الجانب الاجتماعي الاقتصادي الذي يفترض حسن التعامل مع البؤر المنتجة للإرهاب والمتمثلة في الأحياء الفقيرة والمهمشة والعناية بالطفولة في تلك البيئات التي تولّد الحقد والنقمة وتنتج الإرهابيين، وكذلك الوجه الثقافي والفكري الذي يجب أن يعتمد على نشر الفكر التنويري المعتدل السوّي في صفوف الناشئة، من خلال توفير كتب وبرامج ثقافية وتعليمية ذات مضامين قيميّة يشبّ عليها الطفل وتسهم في نحت شخصية وفق مبادئ التسامح والاعتدال.

ما شهدته تونس من اعتداءات على المثقف والمبدع كان يرمي إلى تغليب وجهة نظر "رجل الدين" على وجهة نظر المثقف

وأضاف بوخداجة قائلا “تونس بحاجة فعلا إلى ثورة ثقافية تعمل على إعادة إنتاج قيم جديدة وإنسان جديد منسجم مع العصر الحديث ومرتبط بتراثه ونابذ للتطرف والانغلاق”. وطالب مؤسسات التربية بانتهاج سياسة تربوية تعليمية هدفها تكوين مواطن قبل تكوين المهندس والطبيب؛ مواطن قادر على العيش في مجتمع متعدد متنوّع يؤمن بالاختلاف وقبول الآخر. وهذه السياسة، وفق رأيه، لا بدّ أن تكون محل إجماع وطني وأن تستند إلى ميثاق تمضي عليه جلّ الأطراف السياسية لإسكات كل المتاجرين بالدين.

ويتّفق أغلب الخبراء التونسيين والعرب والغربيين، مع بوخداجة، في أن الحلول الأمنية وقوانين مكافحة الإرهاب، مهما كانت صرامتها، لا تكفي لمحاربته. ومن هنا على تونس أن تعود إلى “تثقيف” المجتمع لحقنه بمضادات حيوية ضد كل أشكال التطرّف وأيديولوجيا الإرهاب وتكشف زيفها وضيق مساراتها. فالإرهاب في تونس بدأ إرهابا على الفكر، منذ اقتحام قاعة السينما “أفريكارت” وبعدها حادثة المركز الثقافي العبدلية وهدم الأضرحة والمزارات؛ ثم تطور إلى الإرهاب المسلح باسم الدين.

ويرى عدد من المثقّفين والمفكّرين أن تونس بحاجة اليوم إلى ثورة ثقافية تعيد قراءة الإسلام قراءة صحيحة تقبل الآخر وتؤمن بالتعددية. ونادوا، خلال ندوات الدورة الحادية والعشرين لمعرض تونس الدولي، التي رفعت شعار “الكتاب في مواجهة الإرهاب”، بضرورة المواجهة الثقافية التفكيرية بالتوازي مع المواجهة الأمنية لمحاربة ظاهرة الإرهاب، فكرا وفعلا.

لم يكن المستهدف الرئيسي من الإرهاب في تونس المنافس السياسي بل هو المنافس الثقافي، لأنّه المحافظ الأول على وجه حداثة المجتمع، حيث أن نمط العيش في تونس هو الهدف الرئيسي للإرهاب الذي يريد تقويضه بإثارة النزعات الإسلاموية.

ويشدّد الباحث التونسي فاتح بن عامر، على أن ما شهدته تونس من اعتداءات على المثقف والمبدع كان يرمي إلى تغليب وجهة نظر “رجل الدين” على وجهة نظر المثقف، وهو ما انخرطت فيه عديد الوجوه والرموز الدينية المفتعلة والمفبركة من أجل احتلال واجهة الثقافة التونسية وتذويب خصوصياتها ضمن تصور شمولي لإسلام لا علاقة له بالثقافة التونسية، في كل مجالاتها الروحانية والدنيوية، من أجل إتمام السيطرة على تفاصيل البلاد اقتصادا وسياسة وثقافة.

ويتصدّر المثقف، وفق بن عامر، الصفوف الأولى في مقاومة المدّ الإسلاموي، وهو صمام الأمان الرئيسي للمحافظة على المكاسب الحداثيّة التي راكمها التونسيون على مدى أجيال.

تونس في حاجة إلى ثورة فكرية تأخذ بعين الاعتبار إعادة قراءة الإسلام قراءة صحيحة تقبل الآخر وتؤمن بالتعددية

وتونس اليوم في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى استراتيجية ضخمة من حيث الإمكانيات البشرية والمادية، حتى تواجه إرهابا مزدوجا عنيفا ينشط عسكريا وإعلاميا.

الفنان التشكيلي التونسي، حبيب بيدة، اعتبر أن معارض الكتاب كانت، خلال السنوات الأربع الماضية، من التظاهرات التي شجعت على تنامي الأفكار المتشددة وبالتالي تصاعد نسق الإرهاب، من حيث كمية الكتب الصفراء التي تدفع نحو الانغلاق والتطرّف والتعصّب ورفض الفكر المخالف، التي أغرقت البلاد بعد الانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس سنة 2011.

وأوضح أنّ جلب تلك الكتب الغريبة على الثقافة التونسية، المنفتحة شكلا ومضمونا، مثّل المنطلق الفكري الذي شجّع لاحقا على تنامي الإرهاب وزيادة حدّته، خاصّة بعد إيصالها إلى مجموعات من الشباب الذي تمّت تهيئته في المساجد والحلقات “الدعوية”، وفق خطاب تكفيري جافّ مُنغلق لا يترك له المجال ليُعمل عقله في غير النسق الذي سُيّر عليه.

من جهته، قال، نجيب عياد، المنتج السينمائي التونسي، في تصريح لـ”العرب”، إنّ الثقافة بمعناها الشّامل تمتلك كل إمكانيات التصدي للإرهاب، مشيرا إلى أنّ ذلك يتمّ من خلال تطوير المناهج التعليمية وصقل الأفكار التي يجب أن يحملها الشاب، لأنه المستهدف الأوّل.

وفي إطار حديثه عن الحلّ الناجع الكفيل بالتصدي للأفكار المتطرفة، قال عياد “ثورتنا لا رأس لها إلى حدّ الآن، والثورات الناجحة هي التي يقودها الفكر وأصحاب الريادة الفكرية، والثورة التونسية التي تزعّمها شباب طالبوا بالشغل والحرية والكرامة، ركب عليها سياسيون أرادوا تحويل وجهتها إلى مطبّات مفزعة لكنّها عادت لتلفظهم وتمنح الفرصة مجددا لأبنائها كي يكملوا ما بدأوه باستكمال أسسها الفكرية والثقافية”.

وشدد على أنّ أي خطوة تُبذل اليوم على طريق استكمال استحقاقات الثورة، يجب أن تكون ثقافية شاملة تبدأُ بإصلاح التعليم والسلوكيات والدفع إلى احترام القوانين والتعامل المتحضر وقبول الآخر، هذه الأمور كانت نسبيا موجودة في الأشهر الأولى التي تلت الثورة، لكن مع تخلي المثقف عن دوره وانشغاله بالسياسة، انحرف بها عن مسارها ممّا مهد لظهور تيارات دينية متشدّدة انتشرت وتكاثرت لتصبح خطرا حقيقيا على البلاد والعباد.

من جانبه، يؤكّد المفكر التونسي، سليم دولة، لـ”العرب” استحالة أن يكون هناك ديمقراطية دينية، وذلك ما أثبته التاريخ، ولا تزال مجريات الأحداث في العالم تؤكد ذلك.

6