التطرف يحكم قبضته على لبنان من الداخل والخارج

الاثنين 2014/12/01
قوات الجيش اللبنانية التي تسهر على تأمين مدينة طرابلس أضحت المستهدف الأول من قبل الجهاديين

لندن - الخطر المتنامي للجماعات الجهادية المتطرفة في الشرق الأوسط، لم يعد محدودا بزمان أو مكان، ممّا أضحى يهدد جلّ بلدان المنطقة بتبعاته وبإمكانية الاختراق من الداخل. ولبنان يعدّ أحد هذه البلدان التي لم تعد عصية عن هذا السيل الجارف، حيث أنّ العديد من المؤشرات اليوم بدأت تفيد بأنّ أوان دفع ثمن مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية قد حان، من خلال استباحة الجهاديين للبنان واعتباره “أرض جهاد” بعد أن كان يمثل بالنسبة إليهم “أرض دعم ومساندة”.

مازالت الأعلام السوداء ترفرف فوق أسطح مباني طرابلس، المدينة الفقيرة التي تقع شمالي لبنان، لكنّ هدوءا هشّا يسيطر أيضا على الأجواء هناك.

ورغم موجة الغضب المكتوم الّتي تهيمن على مشاعر سكان مدينة طرابلس السنّية جراء حرب الشوارع التي وقعت الشهر الماضي بين متشددين مسلحين وقوات الجيش، يتمكّن المارة بسهولة من ملاحظة الجنود في الشوارع والميادين، ما يُعطي انطباعا بأنّ يد الدولة هي من يحكم المدينة المنقسمة طائفيا، وليس أحدا آخر.

غير أنّ عددا من رجال الدين والسياسيين ومصادر في الجيش يقولون “إنّ هؤلاء المسلحين هم مواطنون لبنانيون ذهبوا إلى سوريا من أجل المشاركة في الحرب الأهلية هناك، بدعم مالي وتسليح من طرف سياسيين سنّة في لبنان”.


أين يكمن الخطر الداخلي؟


لا يخفى على أحد أنّ السنّة اللبنانيين يتعاطفون مع المعارضة السورية، التي تنتمي بدورها إلى الأغلبية السنّية في سوريا، وتقاتل ضدّ نظام بشار الأسد الذي ينتمي، إلى جانب معظم الشخصيات المحورية في نظامه، إلى الطائفة العلوية.

أعرب مسؤولون أمنيون عن خشيتهم من وجود خطوط اتصال بين المتشددين في طرابلس وتنظيمات جهادية متطرفة

أشدّ ما يلفت الانتباه أنّ معظم المتشددين في لبنان هم من صغار السن وقد كانوا، من قبل، مواطنين عاديين ثم تحولوا إلى التطرف الديني في سوريا على يد التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها “جبهة النصرة” الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا، وبعد عودتهم إلى لبنان بات الجيش أهمّ أهدافهم.

وفي هذا الصدد، قال الشيخ نبيل رحيم، أحد القادة الدينيين في طرابلس، والذي يمتلك خطوط اتصال مع المجموعات الجهادية: “إنّ هدفهم الرئيس يكمن في تأليب الناس على الجيش”.

ونتيجة لما سبق، فقد تصاعدت الهجمات بوتيرة أسرع خلال الفترة الأخيرة، وتركز أغلبها في شمال لبنان الذي تقطنه أغلبية سنيّة.

وفي طرابلس، لجأ المتشددون إلى استخدام المساجد في منطقة باب التبانة كمراكز تجنيد لأنصارهم وكمخازن للأســلحة. واندلعت مواجهات في المدينة الشهر الماضي راح ضحيتها 12 عسكريا لبنانيا، وأدت على الجانب الآخر إلى مقتل 30 جهاديا، بعد أن لجأ الجيش إلى استخدام الدبابات والطائرات المروحيّة.

وبالنظر إلى أنّ لبنان، الصغير من حيث المساحة، يتميز بتنوّع مذهبي، فقد أفاد عدد من المحللين بأنّ الجماعات المتشددة نجحت في تجنيد عدد كبير من المقاتلين اللبنانيين في صفوفها، نتيجة لقضايا مزمنة يعاني منها البلد كالفقر، إلى جانب الإهمال الحكومي المستمر للمناطق السنّية.

لكن هذا ليس كل شيء. فهناك حالة من الغيظ المكتوم لدى أبناء الطائفة السنّية في لبنان نتيجة ذهاب حزب الله الشيعي إلى سوريا للمشاركة في القتال إلى جانب النظام السوري، حليفه الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، يقول رجال دين ومسؤولون محلّيون “إنّ مشاركة حزب الله في الحرب دفعت رجال أعمال سنّة إلى تقديم الدعم إلى من يرغبُ في الالتحاق بالتنظيمات المتشددة في سوريا، بالإضافة إلى أموال وسفن محملة بالأسلحة متعدّدة المصادر كانت تأتي من البحر، ثم يتمّ تفريغ حمولتها ونقلها عن طريق البر إلى خطوط المواجهة في سوريا”.

من جهتها، قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية إنّ السياسيين في طرابلس يتهامسون في ما بينهم حول دور محوري للبنانيين السنّــة في الحرب الأهلية الســورية.

غير أنّ مصطفى علوش، العضو في تيار المستقبل السنّي، قال من جهته إنّ “هذه الاتهامات يمكن ُ أن تُوجّه إلى حزب الله أيضا”.

محللون يرون أن الجماعات المتشددة نجحت في تجنيد عدد كبير من المقاتلين اللبنانيين، نتيجة للإهمال الحكومي المستمر للمناطق السنية

من جهة أخرى، أفاد مراقبون بأنّ هناك بعض المؤشرات التي تفيد بإمكانية دعم بعض السياسيين اللّبنانيين للجهاديين؛ ففي عام 2012 ألقت قوى الأمن اللبنانية القبض على شادي مولوي، أحد القيادات الجهادية البارزة في طرابلس، بتهمة وجود صلات بينه وبين جماعات تعمل مع تنظيم القاعدة. وعندما تمّ إطلاق سراحه، انتقل مولوي إلى مدينة طرابلس على متن سيارة خاصّة بأحد الوزراء في الحكومة اللبنانية، من ثمّة لعب دورا مهما في الاشتباكات التي جرت مع الجيش اللبناني، مؤخرا، في المدينة.

ولم تتمحور اشتباكات المتشددين حول نطاق الجيش والقوى الأمنية في طرابلس فحسب، بل امتدت إلى المدن المجاورة أيضا.

ومنذ اندلاع الأزمة السّورية دخل المتشددون في منطقة باب التبانة في مواجهات مع منطقة أخرى في نفس المدينة يسكنها علويُّون، وتعرف باسم “جبل محسن”.

لكن استهداف الجيش اللبناني مازال يمثل الهدف الرئيس لدى تلك الجماعات، الّتي تنظر إليه على أنه “تابع لحزب الله ويتلقى أوامره من قيادة الحزب”، وفق مزاعمهم.

وفي سياق متصل قال محمد عبيد، وهو محلّل سياسي لديه صلات مع حزب الله: “لقد بات لدى هذه الجماعات أجندتها الخاصة، ولم تعد تستمع إلى كلام أيّ من السياسيين المحليّين”.

كما أوضح نبيل رحيم، القيادي الديني، إنّ “المتشددين يقاتلون في صفوف جبهة النصرة والدولة الإسلامية (داعش) لأنّهم ينظرون إلى هذه التنظيمات باعتبارها تقاتل فوق المشاحنات السياسية التافهة، ولأنّهم يعتقدون أنّها تتمسك بمبادئها”.


كيف تجلت المخاطر الخارجية؟


من جهة ّأخرى، يرى مراقبون أنّ السياسيين المحليين في طرابلس أُجبروا على التخلي عن دعمهم للمتشددين، وأعلن أغلبهم عن مساندتهم للجيش ولقوى الأمن خلال الاشتباكات التي وقــعت الشهر المــاضي.

حيث قال إلياس فرحات، الجنرال المتقاعد في الجيش اللبناني: “هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها قادة السنّة دعما كهذا للجيش”.

وأضاف “هؤلاء القادة من المفترض أنّهم معتدلون، لكنّهم يزوّدون المتشددين بالسلاح ويمنحونهم غطاء سياسيا، ثم يعودون ويطاردونهم”.

كذلك أعرب مسؤولون أمنيون عن خشيتهم من وجود خطوط اتصال بين المتشددين في طرابلس وتنظيمات جهادية متطرفة شأن “جبهة النصرة” و”داعش”، اللّذين سيطرا على مدينة عرسال على الحدود مع سوريا وقامت عناصرهما باختطاف أكثر من 20 عسكريا لبنانيا قبل انسحابها في أغسطس الماضي.

وفي هذا الصدد قال مسؤول أمني، اشترط عدم الإفصاح عن هويته، لصحيفة “واشنطن بوست”: “إنّ شادي مولوي أجرى اتصالات عبر هاتف محمول بالمجموعات المسؤولة عن عملية عرسال قبل اندلاع اشتباكات طرابلس مباشرة”.

من ثمّة هرب مولوي بصحبة عثمان منصور، القيادي الجهادي أيضا، من مدينة طرابلس خلال اشتباكات الشهر الماضي، وتقول مصادر أمنية أنهما يقاتلان الآن في صفوف المعارضة السورية.

هناك حالة من غيظ المكتوم لدى أبناء الطائفة السنّية في لبنان نتيجة ذهاب حزب الله الشيعي إلى سوريا للمشاركة في القتال إلى جانب النظام السوري

وفي مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات المحلية، أجريت مع مولوي ومنصور في سبتمبر الماضي، قال الجهاديان اللبنانيان إنّهما “قريبان من جبهة النصرة من حيث السياسة والتوجه الأيديولوجي وكذلك الممارسات”.

ويرى سكان محليون في منطقة باب التبانة إنّ مولوي ومنصور يعملان على حمايتهم من بطش الجيش.

وتجدر الإشارة إلى أنّ منصور كان قد أصدر، في مطلع العام، فتوى دينية تجيز اغتيال قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي.


هل تحول لبنان إلى أرض جهاد؟


يرى خبير “الحركات الجهادية” والصحفي رضوان مرتضى، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، أنّ “هناك مشروعا واضحا ومُعلنا يؤكد أنّ التنظيمات الجهادية تطمح إلى تحويل لبنان من أرض نصرة إلى أرض جهاد بحسب مقتضى المصلحة”.

كما يشير إلى أنّ “هذه التنظيمات لا تعترف أصلا بالحدود الوضعية التي رسمتها الدول، من منطلق كل بلاد الله أوطاني.

وبالتالي، فإنّ لبنان بالنسبة إلى الجهاديين ملحقٌ بما يُعرف بالإقليم الإسلامي بلاد الشام”.

وفي سياق متصل يؤكد مرتضى أنّ “الحديث عن إمكانية دخول تنظيمي داعش أو النصرة إلى لبنان بات قديماً، إذ أن التحقيقات الأمنية كشفت أن معظم التفجيرات التي ضربت لبنان في الأشهر الأخيرة تحمل بصمات هذين التنظيمين، ما يعني أنّهما موجودان فعلا”، وهو ما يوحي حسب محللين بأنّ لبنان تحول بالفعل إلى أرض جهاد في نظر هذه التنظيمات.

كما أضاف أنّ “المسألة لا تتعــلق بخوف من تنظيم بعينه كداعش أو جبهة النصرة، وإنّما بكل التنظيمات الّتي تدور في الفلك الجهادي وتحمل الفكر السلفي المتشدّد، باعتبار أنّ هؤلاء لا يقبلون بـــمخالفة أحد لهم، ويعملون على إلغائه إذا لم ينضم إليــهم”.

6