التطلعات الاستقلالية لكاتالونيا وكردستان تؤجج النزعات الانفصالية في العالم

الأربعاء 2017/10/11
معارك انفصالية أخرى تعلو في سماء أوروبا بعد كاتالونيا

بلغراد – تستمد الحركات الانفصالية قوتها من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها بلادها والعالم. ويكفي أن يعلو صوت انفصالي في أي جهة حتى يجر وراءه بقية الأصوات المطالبة بالانفصال عن خارطة الدولة التي تنتمي إليها.

ويعد انفصال كوسوفو عن صربيا سنة 2008 ثم انفصال جنوب السودان عن شماله في 2011 أبرز عمليتي انفصال شهدهما العالم في تاريخ ما بعد الحرب الباردة. خلال تلك الفترة علت أصوات الانفصاليين خصوصا في إقليم كاتالونيا الإسباني، لكنها انحسرت لتبقى محل جدل سياسي محلي.

اليوم تعود هذه الأصوات مسجلة تصعيدا قياسيا أفضى إلى استفتاء أثار الكثير من الجدل والصدام بين مدريد وبرشلونة، وسط تهديدات باستقلال وشيك للإقليم. في سيناريو شبيه بما تعيشه منطقة الشرق الأوسط على وقع استفتاء الانفصال في إقليم كردستان العراق، والذي جاء قبل الاستفتاء الكاتالوني بأيام قليلة.

وفي خضم الزوبعة التي يثيرها الاستفتاءان، العراقي والكاتالوني، بدأ يعلو غبار معارك انفصالية أخرى في سماء أوروبا، قادما من منطقة البلقان.

وأنعشت التطلعات الاستقلالية في كاتالونيا القوى القومية في البلقان التي وجدت في هذه النزعة دروسا بناءة لهذه المنطقة الهشة والمقسمة من أوروبا. ومنذ استفتاء الأول من أكتوبر في كاتالونيا، بدأ الجميع من ألبان جنوب صربيا إلى صرب أو كروات البوسنة إلى منطقة فويفودين ذات الحكم الذاتي في صربيا، يطرح سؤال “لماذا لا نفعل نحن أيضا ذلك؟”.

وفي نوفي ساد، كبرى مدن فويفودين، شمال صربيا كتب على الجدران “فويفودين=كاتالونيا”. وقرب كاتدرائية موستار (جنوب البوسنة) التي يتقاسمها كروات وبوسنيون طلي علم “هرسك بوسنة” (كيان أعلنه من جانب واحد كروات البوسنة أثناء الحرب)، بألوان علم كاتالونيا مع عبارة “حظا سعيدا، سنكون اللاحقين”، بحسب وسائل إعلام محلية.

وفي بلغراد نددت السلطات الصربية بسياسة “الكيل بمكيالين” التي ترى أن الاتحاد الأوروبي يعتمدها برفضه استقلال كاتالونيا لكنه في المقابل يعترف باستقلال كوسوفو الذي أعلن في 2008. ولا تزال صربيا تعتبر كوسوفو، إقليمها السابق الذي يشكل الألبان 90 بالمئة من سكانه، تابعا لها.

وما يشغل بلغراد خصوصا هي جغرافيتها السياسية. ففي الجنوب لديها ألبان بريسيفو وبوسنيو منطقة السنجق وفويفودين وبلدياتها العشرين. وزار رئيس رابطة الاشتراكيين الديمقراطيين في فويفودين نيناد كاناك الذي يطالب بحكم ذاتي أكبر، برشلونة في الأول من أكتوبر.

لكن فويفودين ليست ما يثير قلق فلوريان بيبر، الخبير في البلقان بجامعة غراز في النمسا، الذي يرى أن هذه المنطقة لديها “بالتأكيد هوية لكنها لا تملك حركة استقلال قوية” و”لا تميزا ثقافيا” كافيا.

لكن الأمر مختلف في وادي بريسيفو المحاذي لكوسوفو حيث السكان الـ75 ألفا جميعهم تقريبا من الألبان. فـ”التميز الثقافي” فيها يتحول عداء مفتوحا. في 2001 وقعت مواجهات بين جيش صربيا ومتمردين ألبان. ثم عاد الهدوء لكن حلم الانضمام إلى كوسوفو لم يتلاش.

وأيد زعيم الحركة من أجل التقدم الديمقراطي في هذه المنطقة يونس مسلم علنا استفتاء كاتالونيا. وقال إن مثل هذا الاقتراع الذي كان نظم في 1992 “في وادي بريسيفو هو أيضا شرعي”.

والبوسنة منطقة حساسة أيضا. فالصرب فيها (أقل بقليل من ثلث الـ3,5 ملايين بوسني) مجتمعون في كيانهم “الجمهورية الصربية”.

وبعد عشرين عاما على حرب إثنية طائفية أوقعت نحو مئة ألف قتيل، يبقى ولاؤهم لبلغراد وليس لسراييفو. ولوح قائد صرب البوسنة ميلوراد دوديك مرارا بتنظيم استفتاء انفصال. وقال بعد استفتاء كاتالونيا “لعله آن أوان بدء الحديث بعقلانية عن انفصال سلمي عن البوسنة”.

واعتبر فلوريان بيبر أنه “من البديهي أنه في حال نجحوا (دعاة استقلال كاتالونيا)، فإن ذلك سيشجع (..) ميلوراد دوديك على المضي في هدفه”.

ويمكن أن يمنح ذلك دفعا لـ120 ألف صربي في شمال كوسوفو. ففي شوارع ميتروفيتسا الشمالية يرفرف علم صربيا وترفع صور ألكسندر فوسيتش في كل مكان.

وتحدث وزير الخارجية الصربي صيف 2017 علنا عن “انفصال أو أي اسم يطلق على ذلك” لهذه المنطقة التي يقطنها صرب.

لكن بيبر ذكر أن المجتمع الدولي لا يعترف بدول جديدة إلا في “ظروف استثنائية”، من “قمع مكثف” و”حركة استقلال قوية وعنيفة”، والأمر كان كذلك في يوغوسلافيا السابقة في تسعينات القرن الماضي. وأضاف أن “كاتالونيا لا تندرج ضمن أي من هذه الحالات، ومثلها جمهورية صرب البوسنة وشمال كوسوفو”.

6