التطهير الثقافي

الخميس 2015/03/05

مرة أخرى يقيم المتطرفون الدليل على أنهم يعيشون خارج العصر والتاريخ، بل خارج الإنسانية. وهل أدل على عدم انتمائهم إلى المجموعة البشرية من الفيديو الذي بثته داعش على المواقع الاجتماعية، وفيه يظهر أنصارها وهم يحطمون بالمطارق والمثاقب والفؤوس عددا من نفائس التراث الإنساني.

وإذا كان نسف طالبان لأصنام باميان البوذية في أفغانستان، وتحطيم القاعدة في جنوب شرق آسيا لتماثيل المرجان بجزر المالديف، وتدمير جناحها في الغرب الإسلامي لمقامات الصالحين في تمبكتو، وحرق الزوايا الصوفية في ليبيا وتونس، قد أثارت استياء الساهرين على صيانة التراث الإنساني، فإن ما أقدمت عليه داعش في الموصل أثارت استنكار المجتمع الدولي برمته، بوصفه جريمة بشعة، لأن “ذاكرة الإنسانية قاطبة هي المستهدفة في هذه المنطقة، مهد الحضارة والكتابة والتاريخ” كما قال جان لوك مارتنيز رئيس متحف اللوفر.

بعض المتخصصين في علم الأديان فسروا هذه الهجمة الشرسة برفض المتدينين على مرّ التاريخ الصورة كشكل من أشكال الوثنية، كما حدث في بيزنطة خلال القرنين الثامن والتاسع، أو في أوروبا مع البروتستانت في القرن السادس عشر، ولكن الفيلسوف جيرار لوكلير يرى أن الإسلاميين يتذرعون بتقاليد دينية تناهض الأيقونات، وما يريدون في الواقع إلا إعادة خلق الإنسانية، حسب مواصفاتهم.

لقد أثبت هؤلاء المستترون بجلابيب الدين للعالم أجمع أنهم كالأوبئة والجوائح، لا يعرفون إلا الفتك بكل من خالف خطابهم الرجعي وفكرهم المتحجر، وتدمير كل ما له صلة بالفنون والثقافة والحضارة، وأنهم همج يدّعون زورا إحلال مجتمع الطهر والنقاء، والعودة بالإسلام إلى أصوله الأولى، وما يحِلّون حيثما حلّوا سوى الدمار والقتل والسبي والاغتصاب ومحو الذاكرة الإنسانية، غايتهم إخضاع البشرية كافة، وخلق إنسان جديد على شاكلتهم يردد بدعهم، ويعلن لهم الولاء والطاعة في خنوع وخضوع. لأنهم في الواقع لا يملكون خلقا ولا دينا ولا ثقافة، بل هم عصابات جعلت الجريمة شرعة، ما انفكت منذ ظهورها تقترف أبشع الجرائم، جرائم ضد الأحياء وضد الأموات، ضد الماضي وضد المستقبل.

فبعد نسف المعابد والمساجد وأضرحة الأولياء الصالحين وحتى الأنبياء (مقام النبي يونس مثلا) وحرق الكتب والمخطوطات، وتدمير المتاحف والمعالم التاريخية، لم تعد الحرب على تلك العصابات رهانا لصيانة الأرواح فحسب، وإنما أيضا لصيانة تاريخ الإنسانية من الاندثار. لأن ما ارتكب في الموصل وسواها من المواقع الأثرية في العراق ليس فقط تطهيرا ثقافيا كما وصفته إيرينا بوكوفا مديرة اليونسكو، بل جريمة ضد الإنسانية.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15