التطهير الطائفي يسوّر الحرب على الإرهاب في العراق

الاثنين 2016/05/30
العلم الوطني ضاع خلف غبار الطائفية

لندن – مع سيطرة القوات العراقية بدعم من ميليشيات الحشد الشعبي على بلدة الكرمة المحاذية لمدينة الفلوجة، تحشدت القوات العراقية استعدادا للهجوم على المدينة نفسها، غير أنه من غير الواضح موعد بدء الهجوم.

وذكرت الأمم المتحدة أن بحوزتها تقارير عن موت الناس جوعا بسبب الحصار المفروض من قبل القوات الحكومية على الفلوجة، أو قتلهم لرفض التعاون مع تنظيم داعش الذي يسيطر على المدينة.

والفلوجة التي وصفها رئيس بلديتها الفار منها عيسى العيساوي لصحيفة صنداي تلغراف، بـ”أكبر سجن في العالم”. تعد بالنسبة للأحزاب الدينية والميليشيات المرتبطة بها “خط أمان” يحمي تواجدها في العاصمة بغداد.

وتسعى ميليشيات الحشد الشعبي إلى عملية تطهير طائفي في الحزام الدائري للمدن المحيطة بالعاصمة بغداد بدعم إيراني، وظهر ذلك عندما كتب المسلحون على جدران مباني بلدة الكرمة، عبارات الشكر لإيران ولقائد فيلق القدس قاسم سليماني.

وصارت الكرمة بلدة أشباح، إذ لا يوجد فيها أثر لمدني واحد، كما أن هناك العديد من المتاجر المحطمة والمحروقة، فيما لحقت أضرار بالغة بعدد من المباني الأكبر حجما، بحسب مراسل هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

وأظهرت عمليات التطهير الطائفي في المدن المحيطة بالعاصمة بغداد أن التحالف الوطني (الشيعي) الذي يملك الأغلبية الحاكمة في العراق قد تخلى عن إمكانية فكرة إقامة دولة بمؤسسات تستند في شرعية وجودها إلى القانون حين أوكل مسؤولية الدفاع عن استمراره في الحكم إلى الميليشيات التابعة له بدلا من إنشاء جيش وطني عراقي يعوض الجيش الذي حلته سلطة الاحتلال عام 2003.

ويُلاحظ أن قرار مواجهة الجماعات الإرهابية بتنظيمات عسكرية تابعة للأحزاب الحاكمة يدين معظمها بالولاء لإيران حيث يشكل الحرس الثوري الإيراني نموذجها الأعلى هو قرار لم تتخذه حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، بل فرض عليها، لا من قبل زعامة التحالف وهي أضعف الحلقات في البيت الشيعي، بل من قبل قاسم سليماني ممثلا لإرادة الحرس الثوري.

وهو ما يدفع المراقبين إلى توقع تحويل العراق إلى أرض لحرب عصابات قد تمتد عقودا لما تنطوي عليه من نزعة انتقام طائفي.

وتنقل صحيفة فايننشال تايمز عن أحد مسؤولي الأمم المتحدة في العراق قوله “الجميع نسي داعش، إنهم مشغولون بدلا من ذلك بتهيئة أنفسهم لحرب ما بعد التنظيم”.

وكانت حكومة العبادي قد تبرأت من تصريحات أوس الخفاجي أحد كبار قادة ميليشيا أبوالفضل العباس بقوله إنّها منبع الإرهاب ولا يوجد فيها وطنيون، وإنّ المعركة فرصة لاستئصال “ورم الفلوجة”.

وسبق أن صرخ أحد أفراد جيش المهدي بفخر “نحرق مساجدهم قبل أن يحرقوا مساجدنا”.

ويظهر تبني الميليشيات بشكل رسمي مدى التعبير عن تبني المشروع الطائفي الذي تسعى تلك الميليشيات إلى تطبيقه على أرض الواقع. وما شهدته المدن والبلدات المحررة من احتلال داعش من عمليات تطهير طائفي يؤكد أن هناك خطة ممنهجة لتهجير أتباع المذهب السني من مدنهم حتى لو تطلب ذلك الأمر القيام بعمليات إبادة من أجل إفراغ تلك المدن وتهيئتها للالتحاق بالإقليم الشيعي الذي هو تمهيد لقيام دولة الشيعة في العراق وهي دولة خالصة في ولائها لإيران.

ويستشهد المراقبون بما جرى في عمليات تجريف للمنازل والمزارع في منطقة جرف الصخر الواقعة بين بغداد وبابل، وفي ديالى المحاذية التي تقع على الحدود الإيرانية، كتعبير واضح عن النهج الطائفي.

وقبل أيام قامت ميليشيات الحشد الشعبي بتفجير أربعة مساجد في الكرمة. وهو فعل صريح في تعبيره عن نزعة طائفية لا يرى أصحابها في الإساءة إلى دور العبادة الخاصة بالسنة، نوعا من الإساءة إلى (إسلامهم).

وفي وقت سابق كانت المرجعية الشيعية في النجف قد حذرت بشكل واضح من التصرفات التي تمس بحياة المدنيين أو ممتلكاتهم، غير أنها صمتت عن دور العبادة، ربما لأنها لم تتوقع أن يقوم المسلحون بهدم المساجد الإسلامية.

على المستوى العسكري فإن الميليشيات تضغط من أجل تجريف المناطق التي يشكل وجود داعش فيها تهديدا للعاصمة، في محاولة منها لإرجاء معركة الموصل قدر ما تستطيع لسببين. أولهما لأن الموصل ليست جزءا من الكيان الشيعي الذي تتطلع إلى قيامه وثانيهما لأنها تسعى إلى تأمين محيط بغداد تمهيدا للقيام بعمليات تطهير طائفي داخلها.

وبغض النظر عن الدعوات التي تنادي باتخاذ النجف عاصمة للكيان الشيعي وكراهية الإيرانيين لعاصمة الرشيد فإن لبغداد رمزيتها الخاصة على المستوى

الدولي.

غير أن بغداد نفسها ستكون عصية لا بسبب وجود أحياء، صارت بعد حروب التهجير المتلاحقة ذات غالبية سنية، بل بسبب أن الجزء الأعظم لا يدين بالولاء لإيران وأتباعها من أصحاب القرار السياسي.

وسيكون من الصعب إبادة شيعة بغداد وما من شيء في أفق الميليشيات ينبئ بمحاولة استمالتهم أو إغرائهم بالانضمام إلى المشروع الإيراني.

لذلك تبدو الحرب التي تُشن اليوم على الإرهاب وتشارك فيها ميليشيات لا دافع وطنيا يجمع بينها، في حقيقتها حرب مصيرية ستنتقل بالعراق إلى أسوأ خرائطه السياسية، بعد أن تثقل ضميره بجرائم لا تحصى ضد الإنسانية.

اقرأ أيضا:

دور إيراني يذكي نار الطائفية في معركة الفلوجة

الحملة ضد داعش في الفلوجة تتحول إلى ورقة سياسية بيد الحكومة

1