التطورات الميدانية تربك الموقف الإيطالي إزاء الصراع في ليبيا

يثير موقف إيطاليا المتذبذب إزاء الأزمة السياسية الليبية استغراب عدد كبير من المراقبين للشأن الليبي الذين يرون أن هذا التذبذب أدى إلى تراجع دور إيطاليا ونفوذها في هذا البلد الذي تحولت أزمته إلى ملف دولي بامتياز تتصارع فيه الدول العظمى على مصالحها.
الخميس 2016/09/22
بالأمس مع السراج وغدا مع حفتر

تونس - تعكس تصريحات المسؤولين الإيطاليين تذبذبا وترددا واضحيْن إزاء الأزمة السياسية الليبية ما يعكس عجزها عن حسم موقفها الذي ظل يتغير ويتأثر بالمستجدات الميدانية والتحركات العسكرية.

وتبدو إيطاليا تارة داعمة للسلطات شرق البلاد وفي مقدمتها مؤسسة الجيش الوطني بقيادة الفريق خليفة حفتر وتارة أخرى داعمة لحكومة الوفاق التي أعلن التيار الإسلامي ولاءه لها وللمجلس الرئاسي المنبثقة عنه.

وكانت إيطاليا من أبرز الدول الأوروبية الداعمة سياسيا لحكومة عبدالله الثني وبرلمان طبرق الشرعي، إلا أن موقفها بعد توقيع الاتفاق السياسي منتصف ديسمبر الماضي ظل متأرجحا طيلة ثمانية أشهر قبل أن تحسم موقفها في اتجاه دعم حكومة فايز السراج.

وفي أغسطس الماضي أعلنت إيطاليا عن تكليف نائب مدير الدائرة السياسية في الخارجية الإيطالية، ورئيس قسم شمال أفريقيا والشرق الأوسط جوزيبي بيروني، بمهام السفير الإيطالي الجديد لدى ليبيا في خطوة اعتبرها متابعون تندرج في إطار سعي إيطاليا للمزيد من دعم المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاقية الصخيرات.

وقالت الحكومة الإيطالية في بيان بشأن قرار تعيين السفير الجديد إنه تقرَّر تعيين جوزيبي بيرونه سفيرا جديدا لإيطاليا في طرابلس، وأنَّه من المنتظر أن يتوجَّه السفير الجديد قريبا إلى العاصمة الليبية لمزاولة مهام عمله وإعادة فتح السفارة، دون ذكر تاريخ محدد.

وتلا هذا القرار إعلان إيطاليا عن بعث مستشفى وإرسال عدد من الجنود لحراسته من أجل علاج جرحى مقاتلي عملية “البنيان المرصوص” التي أطلقت مايو الماضي بهدف تحرير مدينة سرت من قبضة تنظيم داعش. كما أعلنت أيضا عن تعاون بينها وبين المجلس الرئاسي بخصوص مكافحة الهجرة غير الشرعية.

ورأى مراقبون أن هذه الخطوات التي اتخذتها إيطاليا تأتي في إطار سعيها لتكثيف دعمها للمجلس الرئاسي وذلك عقب ما حققته قوات عملية البنيان المرصوص من تقدم في طرد مقاتلي تنظيم داعش من سرت واقترابها من حسم المعركة لصالحها.

ومنتصف الشهر الجاري نفى وزير الخارجية الإيطالي باولو جنتيلوني أن يكون لمقتل الإيطالي جوليو ريجيني في مصر علاقة بخصوص موقف إيطاليا مما يحدث في ليبيا. والمعروف أن مصر تعتبر الداعم الأول للجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

عزالدين العوامي: إيطاليا انحازت إلى المجلس الرئاسي لأن أغلب مشاريعها تقع في الغرب الليبي

وقال جنتيلوني حينها “أعتقد أنه من الخطأ خلط مسألة حساسة جدا وبالغة الأهمية بالنسبة إلينا -وهي القتل الرهيب لجوليو ريجيني- بالقضية الليبية”.

وأضاف “إن مصر تتحرك في بلد مجاور (ليبيا) على أساس رؤية لمصالحها الوطنية، والتي لا تتطابق دائما مع رؤيتنا، وبالنسبة إلينا الهدف الرئيسي هو الحفاظ على ليبيا موحدة”.

وعكست هذه التصريحات توجها واضحا لإيطاليا نحو تعديل بوصلتها باتجاه المجلس الرئاسي المدعوم بقوة من قبل التيار الإسلامي وفي مقدمته الإخوان المسلمون.

لكن سيطرة الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر على الموانئ النفطية مطلع الأسبوع الماضي أربكت حسابات عدة دول داعمة للاتفاق السياسي وفي مقدمتها إيطاليا، التي عادت لتدعو مجددا إلى ضرورة إيجاد موقع للمشير خليفة حفتر في المشهد العسكري الليبي.

وقبل تكثيف دعمها للمجلس الرئاسي ظلت إيطاليا تدعو على لسان وزير خارجيتها إلى ضرورة إيجاد موقع للمشير خليفة حفتر في التسوية السياسية منادية بعدم إقصائه إذا كان فعلا المجتمع الدولي يرغب في إيجاد حل للأزمة الليبية.

إلا أن جنتيلوني عاد الثلاثاء ليجدد دعوته إلى ضرورة “المضي قدما للوصول إلى اتفاق مع القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر للوصول إلى اتفاق قوي”.

كما طالب وزير الخارجية الإيطالي باولو جنتيلوني مصر بأن تستخدم نفوذها في ليبيا لتعزيز الحوار بين الأطراف الليبية.

وأعرب جنتيلوني عن اعتقاده بأن الظروف في ليبيا حاسمة بالنسبة لأمن مصر، فضلا عن أمن الدول الأخرى في المنطقة، موضحاً أنه لذلك الوضع يفهم ويشاطر الاهتمام المستمر من الحكومة المصرية بشأن الوضع الليبي.

ويذهب القائم بالأعمال بسفارة ليبيا لدى إيطاليا التابع لحكومة البيضاء، عزالدين العوامي، إلى التأكيد على أن موقف إيطاليا من الأزمة الليبية اتسم بالتردد قبل أن تحسمه لصالح المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق المنبثقة عنه.

وأرجع العوامي في تصريح لـ”العرب” سبب انحياز إيطاليا للمجلس الرئاسي إلى خوفها على مصالحها الاقتصادية أساسا حيث يقع 5 من أصل 6 من مشاريعها في أقصى الغرب الليبي الذي تسيطر عليه حكومة الوفاق حاليا.

وتبدو تأويلات العوامي واقعية خصوصا إذا ربطناها بإقدام ميليشيات إسلامية مسلحة من مدينة الزاوية أواخر يوليو الماضي على تهديد إيطاليا بقطع إمدادات الغاز إليها في حال استمر دعمها للجيش الليبي وقيادته.

وقالت عناصر هذه الميليشيات في بيان أمام مجمع مليته للنفط والغاز (مشروع إيطالي) إنها تحذر الدول الداعمة لخليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي من الاستمرار في هذا المسلك وإلا فسيتم قطع إمدادات الغاز عنها.

وحظي اتفاق الصخيرات منذ توقيعه بدعم التيار الإسلامي داخل ليبيا وفي مقدمته الإخوان المسلمون الذين لطالما رفضوا مطالبة خصومهم بإعادة فتح الاتفاق وتعديل المادة الثامنة التي يرونها الضامن الأكبر لاستبعاد المشير خليفة حفتر من المشهد العسكري.

4