التطور التكنولوجي ساعد القصص المصورة وأضر بها في آن

الباحثة اللبنانية زويا قاسم: القصة المصورة أداة ثقافية وترفيهية.
الخميس 2021/06/17
المجلات المصورة تنمي خيال الطفل وقدراته

تمثل القصص المصورة التي تحفل بها مجلات الأطفال مادة ثقافية هامة، لا من ناحية جمالياتها الأدبية فحسب وإنما أيضا من جانب ما تقدمه من أفكار وثقافة وتربية وتنشئة سليمة للطفل. وهذا لا يتحقق بالنص وحده وإنما أيضا بالصورة والإخراج، حيث يتكامل النص مع الصورة ومن خلال تناسقهما تتحقق هذه الرسالة الثقافية المستقبلية الهامة.

تحتل مجلة “العربي الصغير”، وهي مجلة شهرية مخصصة للأطفال وتصدر بالتزامن مع مجلة “العربي”، مكانة مرموقة بين مجلات الأطفال التي تصدر في مختلف أرجاء العالم العربي؛ أولا لانتظام صدورها وثانيا لطباعتها الفاخرة وثالثا لحجم الإقبال عليها ورابعا لاستقطابها كتاب ورسامي الأطفال الأهم في العالم العربي. وقد صدر العدد الأول منها في فبراير عام 1986، بعد أن كانت تصدر ككتيب يوزع مع مجلة “العربي” بداية من عام 1958. وهي تصدر شهريا عن وزارة الإعلام بدولة الكويت وتوزع في الكثير من دول العالم.

وخصصت الباحثة اللبنانية زويا قاسم، في رسالتها للحصول على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بحثا كاملا حول المجلة بعنوان “السمات الإخراجية وتطورها في بنائية القصة المصورة للأطفال.. نماذج من مجلة العربي الصغير”، سعى إلى إبراز السمات الإخراجية وتطورها وفاعليتها في تقديم القصة المصورة، وذلك من خلال نماذج مختارة من مجلة “العربي الصغير”.

إخراج القصص

الباحثة اللبنانية زويا قاسم خصصت، في رسالتها للحصول على الماجستير بحثا كاملا حول المجلة بعنوان “السمات الإخراجية وتطورها في بنائية القصة المصورة للأطفال.. نماذج من مجلة العربي الصغير”

ركزت قاسم في معالجة موضوع بحثها على إشكالية مركزية تمثلت في إثارة الأسئلة التالية: كيف تجلت السمات الإخراجية في القصة المصورة؟ وهل ثمة دور أساسي لتطور الإخراج في تقديم الفن القصصي عبر جمالياته المتمثلة في الصور والألوان ورسم الشخصيات وترتيب السيناريو(الحوار)؟ وقد تفرعت عن هذه الإشكالية إشكاليات فرعية: كيف ساهمت العناصر الإخراجية في تعميق دلالة القصة المصورة؟ وما مدى فاعلية الصورة في التعبير عن البناء القصصي وعناصر السرد؛ الوحدات الثلاث (الزمان، والمكان، والموضوع)، والشخصية، والحادثة؟ ما هي أبرز التطورات الإخراجية في القصة المصورة؟ وما مدى أهمية هذا التطور ودوره في بنائية السرد القصصي؟ وهل للقضية الإخراجية وظائف ودلالات اجتماعية ونفسية؟

ترى قاسم أن أهمية الموضوع تكمن في أن السمات الإخراجية المرافقة للقصة داخل مجلات الأطفال تحمل مضامين ومدلولات تدعم ما ورد في القصة وتجسده، فهي لغة أخرى لتبليغ الأفكار والآراء والتصورات، وتضفي على القصة قدرًا من الجاذبية والجمالية.

وتقر الباحثة بأن وسائل الإعلام المقروءة، كالمجلات، ما زالت لها الفاعلية والدور المهم في تنمية ثقافة الطفل، حيث تعمل على تشجيع القدرات الابتكارية والإبداع لديه، كما أنها تشعره بالمتعة وتشغل فراغه وتنمي هواياته، وأيضًا ترقى بالسلوك وتبث الأخلاق الفاضلة، وتقوّم السلوك المنحرف، وتحد من أغلال التقليد الأعمى للأفكار المدمرة الوافدة بحيث تكون الكلمة والصورة رافدًا تعليميًا يثري ثقافة الطفل. ومن الإنصاف القول، في رأيها، إنه ليس كل ما يعرض سيئًا وضارًا، فلوسائل الإعلام “آثار إيجابية وأخرى سلبية، ولكن الآثار السلبية لوسائل الإعلام أكثر خطورة على الطفل العربي في ظل غياب أسس اختيار موادها الإعلامية”.

وتسلط قاسم الضوء على استراتيجية استخدام عناصر الإخراج بما يتوافق مع بناء السرد القصصي وفكرته، إضافة إلى إبراز أوجه التغير في هذه العناصر الإخراجية وتطورها. ولعل من الأسباب أيضًا أهمية التركيز على ما يكتسبه فن الإخراج اليوم في ظل عصر الصورة والثورة الرقمية، وكل ذلك بدا أنه بحاجة إلى دراسة أكاديمية، فضلا عن أهمية التركيز على سمات الإخراج ودلالاتها، وقراءة الصورة وكيفية توظيفها، ومدى مساهمة التقنيات الإخراجية في خدمة بنائية القصة.

السمات الإخراجية المرافقة للقصة داخل مجلات الأطفال تحمل مضامين ومدلولات تدعم ما ورد في القصة وتجسده

جعلت قاسم بحثها في فصلين، درس الفصل الأول “العتبات الإخراجية، وعناصر بناء القصة المصورة في مجلة العربي الصغير”، وعالجت من خلاله العتبات الإخراجية المساعدة على قراءة النص في مبحثين: الأول بعنوان “عتبات إخراج القصة المصورة في مجلة العربي الصغير“، حيث تناول العتبات الإخراجية ذات التمظهرات النصية، من اسم كاتب السيناريو والرسام والعناوين، إضافة إلى اسم المجلة وعددها وتاريخ إصدارها، ونبرات الكتابة، وعلامات الترقيم، والضبط واستهلال القصص. كذلك تطرق إلى الحديث عن العتبات الإخراجية ذات التمظهرات الأيقونية، من ألوانٕ وصورٕ وفقاعات الحوار. أما المبحث الثاني فقد تناول عناصر بناء القصة؛ عنصر الحدث والحوار والبيئة القصصية والشخصيات القصصية.

أما الفصل الثاني الذي ورد بعنوان “دلالات العتبات الإخراجية في قصص مجلة العربي الصغير” فقد تطرق في مبحثه الأول إلى المضامين والقيم والأهداف التربوية والنفسية والاجتماعية من خلال تحليل القصص المصورة وتحديد القيم التي وردت فيها، في حين عرّف المبحث الثاني المعيار وأهم المعايير التي يجب أن تتوفر في الأدب المقدم إلى الأطفال.

الاهتمام بثقافة الطفل

 السمات الإخراجية المرافقة للقصة داخل مجلات الأطفال تحمل مضامين ومدلولات تدعم ما ورد في القصة وتجسده
السمات الإخراجية المرافقة للقصة داخل مجلات الأطفال تحمل مضامين ومدلولات تدعم ما ورد في القصة وتجسده

قالت قاسم “بعد قراءة العتبات الإخراجية وتحليل مضمونها تبين أن القصة المصورة في مجلة العربي الصغير تعد أداةً ثقافية وتربوية وإعلامية وترفيهية، وتعبر عن عصرها وزمانها، وتقوم بمهمة نقل وغرس القيم والمبادئ وأنماط السلوك، وتدعمها إيجابًا وسلبًا من خلال العتبات الإخراجية، وتزود الطفل بالأفكار والقيم التي تؤكدها له، وتقنعه بها من خلال أبطالها، كما تتميز بقدرتها على تشكيل ذوق الطفل والمساهمة في تكوين شخصيته. وبدت في الأعداد القديمة طباعة الحروف غير واضحةٕ من الناحية البصرية في جميع النماذج، والكلمات متداخلة، وعدم تناسق الصفحات من حيث الهوامش، والعناوين والكوادر، كما لوحظ تداخل الأشكال في الصفحة الواحدة، إضافة ًإلى اعتماد اللونين الأسود والأبيض. لكن كان التمايز في الموضوعات، حيث كانت الموضوعات تبرز الناحية التاريخية والعلوم وتحفز القارئ الطفل على القيم الحميدة”.

وتابعت “أما الأعداد الحديثة من المجلة فتجلت فيها الأساليب الحديثة في الإخراج والابتعاد عن الأساليب القديمة، إذ انعكس التطور التكنولوجي إيجابًا على تصميم القصص المصورة من حيث تنظيم وتنسيق الكوادر والصور، واستخدام الألوان، وطباعة النص. فدخول إمكانيات الحاسوب الفائقة ساهم في إخراج صفحات المجلات وإظهار الجانب الجمالي؛ فقد وضع العنوان لجميع النماذج في المكان نفسه في وسط الجهة العليا، وطبعت العناصر اللفظية فوق الصور أو على جزء منها، ونسقت فقاعات الحوار، ونظمت داخل كوادر الصور، وهذا المزج حقق للتصميم الوحدة والقوة الجاذبة للبصر، وجذب انتباه الطفل، وجعل الشكل والمضمون كلًا واحدًا”.

وسائل الإعلام المقروءة ما زالت لها الفاعلية والدور المهم في تنمية ثقافة الطفل

ورأت قاسم أنه على الرغم من تطور الأساليب الإخراجية في قصص مجلة “العربي الصغير” إلا أن هناك ثغرات قد غفل عنها القيمون على هذه المجلة، ومن هذه الثغرات تذكر “عدم ترك مساحةٕ بيضاء كافيةٕ على الصفحة الواحدة، إهمال تفعيل النص في مضمون القصة، واعتماد الشكل الموحد للحرف، ما يجعل تأثير هذه الأحرف من الجانب النفسي أقل تأثيرًا على نفس الطفل، إضافة إلى عدم ضبط الكلمات، والضبط مهم يساعد الطفل على القراءة الصحيحة وعلى كيفية لفظها وتعلمها بشكل صحيح، أما إن تعوّد على لفظها بشكل غير صائب فسيرافقه الخطأ دائما. ما يعني أن الأعداد الحديثة قد فقدت قيمة هامة من القيم التعليمية”.

ومن النقائص أيضا “اعتماد نمطٕ واحدٕ من فقاعات الحوار في القصة، وعدم مراعاة الحالة النفسية للشخصية أثناء الحوار والتي تحتم تغيير نمط الفقاعة بحسب ما يقتضيه الموقف. ونجد كذلك إثارة الفزع والشعور بالخوف عبر المواقف التي تهدد شخصية البطل، إضافةً إلى صورٕ توحي بالاضطراب والقلق. كما تركز هذه القصص على إبراز صورة الحقد والعنف ممثلةً في بعض شخصيات القصة، وتكرار الصور التي تؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف وسيلةً استجابيةً إلى مواجهة بعض المواقف وممارسة السلوك العنيف”.

واستكمالًا لما بدأته الدراسة قدمت قاسم عددا من المقترحات، منها مراقبة وسائل الإعلام وتوجيهها من الوسائط التربوية، لتكون وسائل بناءٕ وتربيةٕ، وليس وسائل هدمٕ وتغيير مبادئ، والاهتمام برسم الصور التي تساهم في تعميق القيم الصحيحة، وتصحيح تلك المبنية على رؤىً خاطئةٕ، والعمل على توليد قيمٕ جديدةٕ وفق حاجيات المجتمع، لتكون هذه الصور أداةً ثقافية وفنية وتخييلية، تعمل على تكوين شخصية مواطنٕ صالحٕ، وبالتالي مجتمعٕ متحضرٕ. ودعت أيضا إلى الحرص على القيم والاتجاهات والمضامين التربوية الهادفة إلى إخراج القصص المصورة، بما يناسب قدرات الطفل وحاجاته لغةً وثقافةً.

وشددت قاسم على ضرورة توجيه مجلات الأطفال والقيمين على تصميم وإخراج القصص المصورة إلى إيلاء قضايا الطفولة المزيد من الاهتمام ومعالجتها معالجةً تربوية تتحقق معها الأهداف المنشودة.

15