التطوع الثقافي

الأحد 2016/11/13

نفتقر بشكل عام في العالم العربي إلى روحية التطوع والعمل الابتكاري أو المبادرات الجماعية على صعيد العمل الثقافي، وهو من أولى متطلبات التحرر من هيمنة الدولة على الثقافة،على الرغم من أن الأجيال الكبيرة من المثقفين العرب قد رضخت بشكل أو بآخر إلى ما ترسمه الدولة لها من آليات الممارسات الثقافية بحكم التربية والانتماءات الفكرية والأيديولوجية، إلّا أن الأجيال الجديدة تتمتع بمقدار معين من روح التمرّد والثورة على الأطر الثقافية السائدة ونزعة فطرية للخروج من معطف الدولة ونظرتها المتخاذلة للممارسات الثقافية.

وطالما ارتبط العمل التطوعي الجماعي بروحية الشباب من ذوي الهمم العالية الساعين لتأكيد ذواتهم وقول كلمتهم، فقد اعتاد أغلب المثقفين العرب على الشكوى وإلقاء اللوم على الدولة في التقصير وإهمال البنى التحتية للثقافة، على الرغم من أن تلك الأخيرة لا تكاد تختلف عن مثيلاتها في الدول المتقدمة، ذلك لأن الاهتمام بالأنشطة الثقافية يبقى ممارسة معنوية ليست ذات نفع مادّي مباشر للدول والحكومات، وفي أوروبا يعمل أغلب المشرفين على المكتبات العامّة والمسارح ودور السينما الشعبية والمنظمات الثقافية بشكل تطوعي، ولا يتلقون أجوراً لقاء مجهوداتهم، باستثناء أجور النقل على سبيل المثال، بينما يأنف المثقف العربي من العمل التطوعي ويعده استهانة بمكانته الرفيعة التي ينبغي أن تُكافأ بأيّ طريقة من الطرق.

ونظراً لقلة المبالغ المرصودة للنشاطات الثقافية عموماً واقتصارها على صناديق الدعم المموّلة في الغالب بواسطة شركات تجارية ورجال أعمال من ذوي الاهتمامات الثقافية، فقد عوّض المثقفون في الكثير من الدول هذا النقص بالعمل التطوّعي أو آليات التضامن مع بعضهم البعض، وما زلت أشهد أفلاماً ومسرحيات ومعارض فنون تشكيلية تُنجز هنا وهناك بمبالغ لا تكاد تذكر، فما أن يعلن فنان ما عزمه على إخراج فيلم حتّى يتداعى له الفنيون والممثلون لمساندته وتقديم مجهوداتهم وخبراتهم بشكل مجاني يغمرهم الفرح والمتعة نتيجة لتلك الممارسة وما تخلفه من شعور بالرضا في النفس.

لقد دعتني مجموعة من الشباب المبدع لكتابة هذه المقالة بعد أن شاهدت فيلماً قصيراً عما قاموا به من عمل تطوعي وهم يعيشون في مدينة صغيرة شبه نائية من أعمال محافظة ذي قار في العراق تسمّى البطحاء، عندما بادروا لإزالة الأنقاض المتراكمة في مبنى المكتبة العامّة المهملة في مدينتهم منذ الاحتلال، وراحوا يجمعون المبالغ الصغيرة من أقرانهم ليشتروا بعض مواد البناء والتبييض والأصباغ وقاموا بأعمال الصيانة للمبنى ودهنه وإعادة التأسيسات الكهربائية له، بعد أن حصلوا على تعهدات مسبقة من ناشرين ومكتبات في بغداد للتبرع لهم بالكتب من أجل إحياء المكتبة وخلق مناخ ثقافي لهم يمكن أن يكون نواة لأنشطة وفعاليات ثقافية أكبر في المستقبل.

لقد شعرت بالغبطة والفخر وأنا أشاهد فيلمهم القصير وما قاموا به من مجهودات دافعها حبهم للثقافة والكتاب وحرصهم على توفير مناخ صحي لهم ولزملائهم بعيداً عن الممارسات الظلامية التي تحاول أن تشيعها أحزاب الإسلام السياسي التي ابتلي بها العراق.

إنّني من هذا المنبر أحييهم وأدعو زملاءهم الآخرين للحذو حذوهم وعدم الركون لليأس أو التحجج بتقصير الدولة إن وجدت، وكم كنت أتمنى أن أشهد مبادرات مماثلة أخرى في عالمنا العربي المبتلى بالأيديولوجيات الشوهاء والمفاهيم الظلامية، من أجل خلق مناخات مناسبة للأجيال الجديدة من المثقفين لتمارس عطاءها وتنمّي مواهبها ولا تنتظر من السياسي العربي الذي ينظر للموسيقى كعورة والرسم كشرك بالذات الإلهية أن ينتصر لأحلامهم أو يفهم ميلهم الإنساني الفطري نحو الجمال والعطاء والابتكار والحب.

كاتب من العراق

11