التطير اعتقاد لا يزال يؤثر سلبا في العلاقات البشرية

الأحد 2017/10/01

المعتقدات الشعبية إذا ترسّخت بفعل العادة المتكررة تصبح سمة ثقافية وعنوانا حضاريا قِيَمِيّا لشعب ما، وتتخذ شكل القانون الاجتماعي. وحتى التطور العلمي والتكنولوجي والفكري الذي شهده العالم الحديث لم يستطع تغيير البعض من هذه المعتقدات التي ترافق الإنسان في سائر مراحل حياته مثل التطيّر وما يفرزه من تشاؤم وشعور بالضيق والخوف، من أشياء أو أناس يعتقد بأنهم جالبو السوء والحظ العاثر.

والتطيّر في أصل اللغة مصدر من فعل تطيّر به ومنه: تشاءم وأصله التفاؤل بالطّير، ثم استعمل في كل ما يُتفاءل به ويُتشاءم منه. وهو اعتقاد قديم رافق العرب في جاهليتهم وتواصل الأمر إلى زمننا هذا، رغم موقف الإسلام الرافض له.

الجدير بالملاحظة أن التشاؤم من أشياء أو أشخاص، خصّ حتى أفراد الأسرة الواحدة، فمن الألقاب التي تطلق على بعضهم جزافا “عتبة” وهو لفظ يطلق على عتبة الدار ويستعمل للتعبير عن التشاؤم أو التفاؤل، ومن ذلك مثلا أنهم يذبحون حيوانا ويجعلون دمه يسيل على عتبة البيت الجديد تيمّنا واستبشارا ببركة ستعم متساكنيه، وهي عادة شبيهة بتقديم القرابين.

ففي المخيال الشعبي تكون المرأة والفرس عنوانين لهذا الاعتقاد، فيقولون “عتبتها مبروكة” للتفاؤل أو “عتبتها مشؤومة” للتشاؤم. وكم من امرأة طلّقها زوجها معتقدا أنها نزعت “البركة” من داره، وكم من أخ أو أخت نبذا من أقرب الناس إليهما بسبب ذلك. وكم من جار لا يلقى حتى تحية الصباح من جيرانه لاعتقادهم بأن الالتقاء به ومحادثته صباحا سيجلبان لهم الويلات في يومهم، خاصة إذا كانوا ذاهبين للعمل أو لقضاء حاجة ما.

يتطيّر الناس من القطّ الأسود لاعتقادهم أن روحه يسكنها الجنّ، ويتشاءمون من نعيق البوم لأنه حسب رأيهم جالب للشؤم ونذير بالخراب ووفاة أحدهم، ويكرهون رؤية الغربان في صباحاتهم ما يجعل أنفسهم تنقبض وربما يغيّرون مسارات سيرهم أو يحجمون عن القيام بأعمالهم، ولا يريدون مصاحبة مقرون الحاجبين لأنه صاحب “عين حارّة” يتوهّمون أنه قادر على الإيذاء بمجرد تعليقه على أمر ما.

هذه المعتقدات تثير جدلا كبيرا داخل الأسر والمجتمعات، تختلف في شأنها المواقف والآراء بحسب المرجعيات. يكفي أن يتشاءم أحد أفراد الأسرة من قط أسود دخل مصادفة فناء المنزل حتى تنهال عليه الأيدي والعصيّ لطرده، وكأنهم بذلك الفعل سيحصنون المنزل من مكروه متوقع.

ويكفي أن يلاقي أحدهم مشقة ما خلال يومه مثل تعرض سيارته لحادث مروري، ربما كان نتيجة عدم انتباهه، فيقرن ذلك بأنه لاقى في الصباح الباكر جاره وألقى عليه التحية الصباحية التي من المفروض أن تكون فاتحة خير، ويقرر أنه سيتحاشاه في ما يأتي من صباحات أخرى.

لا وجود لتفسير علمي يعقد الصلة بين وقوع الأحداث السيئة أو الجيّدة وبين رؤية أشخاص أو حيوانات أو أشياء، والتفسير المنطقي الوحيد هو أنّ ما يقع من أحداث تلعب الصدفة دورها فيقترن في ذهن الإنسان بأن هناك علاقة وطيدة بين الأمرين. فالتجارب الإنسانية المستندة إلى العقل والمنطق والعلم، أثبتت أن ما يُتشاءم به في مجتمع ما يُتفاءل به في آخر، والمثال على ذلك أن العرب عموما يتشاءمون من نعيق البوم ويطاردون الحيوان أينما وجدوه بتعلّة أنه نذير شؤم ينذر بخراب العمران، وكلما حلّ بمكان إلا وأصبح قفرا، في حين أننا نجد أن المزارعين في الدول الأسكندنافية كالسويد والدنمارك وفنلندا وغيرها يبنون بيوتا أنيقة من الخشب ليسكنها البوم تبركا به من ناحية وإعانتهم على القضاء على القوارض التي تفسد محاصيلهم الزراعية من ناحية ثانية، مع العلم أن هذه المحاصيل شديدة الوفرة ولا علاقة لذلك بالخراب المزعوم.

المسألة إذن نفسية بحتة، وتفسد إلى حدّ بعيد العلاقات البشرية داخل الأسر أو المجتمع. والغريب في الأمر أن الكثير من المثقفين في أرجاء العالم -حتى وإن كانوا مثقفين وأصحاب مستويات تعليمية عالية- لا يستطيعون التنصّل من التأثيرات النفسية لهذه المعتقدات فيرفضونها علما وعقلا ويخوضونها سلوكا وممارسة.

لنتساءل سؤالا جريئا: ما هي تداعيات التطيّر في معناه التشاؤمي، إذا ما عمد أحد الزوجين إلى اعتبار شريكه جالبا للسوء والشؤم؟ هناك من يتشاءم من كلمة معينة أو من طريقة لباس أو من جلسة أو من نظرة، وكلها أمور طبيعية لا علاقة لها بما يحدث بعدها.

فالبشر عادة ما يلتجئون إلى التفسير الميتافيزيقي في علاقته بالجن والسعد والنحس وما شابه ذلك عندما يعجزون عن تفسير الظواهر وعلاقة الأسباب والعلل بالنتائج. أتذكّر في هذا الباب كتابا طريفا للروائي الفلسطيني إميل حبيبي بعنوان “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”، وقد جمع فيه بشكل طريف بين معنيي التفاؤل والتشاؤم، ليبرز ضمنيا بأن الأفعال وتداعياتها لا علاقة لها إطلاقا بذلك.

كاتب تونسي

21