التظاهرات الشعبية في العراق والأسئلة الحارقة

الاثنين 2015/08/31

المتمعن في الواقع السياسي العراقي يجد نفسه أمام متاهات لا يمكن الخلاص منها، إلا بحالة وعي سياسي متقدم من قبل رئيس الوزراء العراقي والفريق المحيط به، فالمحاصصة السياسية يكبر زبائنها وتولد أبناء جدد لا يقلون تعاسة عن أسلافهم الذين ينعمون بخيرات المال، بينما مكونات المجتمع العراقي المختلفة تعيش أوضاعا اجتماعية واقتصادية وأمنية صعبة وسيئة.

لم يعد أمام المجتمع إلا أن يفرز تيارا وطنيا ينفض عن كاهله ترهات الطائفية المقيتة، وها نحن أمام حالة جديدة من الاحتجاج تسعى إلى تصحيح المسار السياسي بعد أن أصبح الواقع الشعبي لا يقبل التبرير الطائفي، ويصر على كسر الأسطوانة التي رددها الساسة الطائفيون طيلة عقد من الزمان بدعوى الحفاظ على مكاسب مزعومة لطوائفهم، في الوقت الذي يستمرون فيه بنهب خيرات الشعب.

لم يعد تقاطع السياسة التمثيلية تحت خيمة المحاصصة السياسية، ينطلي على الشعب، فالفرد العراقي بات يميز جيدا بين صراعات وتقاطعات باطلة يعتاش عليها السياسيون، وبين واقع اجتماعي واقتصادي وثقافي مزر تزداد مخاطره كل يوم على كل فئات الشعب العراقي، وإزاء ذلك كان لا بد للتيار الوطني الكامن في النفوس من أن يخرج للشارع متظاهرا ورافضا لحالة الانقسام السياسي، ممزقا بصوته الجهل والرياء الذي يسوّقه أقطاب العملية السياسية أمام (مؤيديهم) في الدفاع عن حقوقهم كوسيلة لتحقيق وتثبيت مصالحهم الشخصية، متجاهلين حقائق الواقع الوطني الجامح نحو التعايش السلمي والرافض للسياسات الاجتماعية والاقتصادية الجارية في العراق منذ أكثر من عقد من الزمان.

خرجت جموع المتظاهرين إلى الشوارع في بغداد وجنوب العراق ومناطق أخرى ورفعت العلم الوطني العراقي، رافضة أي شعارات طائفية أو حزبية، معلنة حالة من التلاحم الشعبي الرافض للواقع الحالي بكل تفاصيله، وكأن هذا الشعور المتولد من عمق حضارة العراق، قد أيقظ قيم الوطنية الكامنة في الشخصية العراقية، فكانت الوطنية هي القاسم المشترك لكل العراقيين حتى بدأ الساسة متخلفين عن وعي الشارع بكثير.

أنقضت الموجة الأولى من التظاهرات بمطالبة الشعب رئيس الوزراء بالضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين إلى تفويضه الكامل بالإجراءات الصارمة ضد كل الفاسدين وإنهاء حالة المحاصصة الطائفية التي أدت بالبلاد إلى طريق مسدود.

فوجئ الساسة في المنطقة الخضراء بزخم هذه التظاهرات وتوجهاتها الوطنية، وهم في حالة إرباك حقيقي، وأصبحت المؤسسة السياسية أمام إحراج حقيقي ودب الفزع في نفوسهم خوفا على مكاسبهم الشخصية، لاسيما وأن أغلبهم من سياسيي الصدفة.

يراهن بعض ساسة المنطقة الخضراء على الزمن حتى تضعف همّة المتظاهرين تدريجيا، مستندين إلى بعض القراءات الضعيفة عن الشخصية العراقية، وقد كسرت هذه الرؤى على أرض الواقع، إذ انتبه الشارع لذلك وبأن خروجه إلى الشارع وتصميمه على الإصلاح والتغيير لم يكن ترفا وإنما هو رد فعل على حالة اليأس والحرمان التي يعانيها الشعب بعد اثني عشرة سنة من الإدعاءات المضللة في بناء دولة جديدة، ولكن الذي حصل كان عكس ذلك تماما، وقد زاد الواقع سوءا.

التيار الوطني الذي يقود التظاهرات الشعبية هو تيار عابر للطائفية وترجمة لأساسيات الثقافة العراقية التي لا تقبل التجزئة، والتي قدمت دروسا راسخة في الوحدة الثقافية العراقية الصانعة للوحدة الوطنية، وأن دخول التيارات الدينية بكل أشكالها، إنما هو حالة طارئة في طريقها إلى الزوال الحتمي، مع احترام لكل الخصوصيات الثقافية والدينية في إطار القانون المدني الذي يتيح للجميع ممارسة طقوسه.

بدأت الموجة الثانية من التظاهرات بالمطالبة بالدولة المدنية وبناء مؤسسات مدنية تحقق العدل في المجتمع، والتشديد على تطبيق الإصلاحات المعلنة وغيرها، ومحاكمة الفاسدين واسترجاع أموال الشعب.

تحمل الأيام القادمة الكثير من الاحتمالات والمفاجآت، لاسيما ما يتصل بمدى قدرة رئيس الحكومة على القيام بما يطلبه الشعب من إصلاحات وتحولات هامة، خاصة أن الوعي السياسي لدى المتظاهر العراقي بدأ يتصاعد في إبعاد أي شعار طائفي أو فئوي عن ساحات التظاهر، وهذه الحالة المتقدمة للوعي الاجتماعي ستساعد حتما في إعادة بناء البنية المجتمعية العراقية الوطنية العابرة للطائفية، وإزاء ذلك يمكن إثارة تساؤلات عدة منها، هل تسكت قوى المصالح والغنائم عن إجراء إصلاحات جوهرية تقود إلى تغير سياسي يسمح بقيام دولة عادلة؟

هل ستشهد المرحلة القادمة بعد إقرار قانون الأحزاب، الذي يحظر قيامها على أساس طائفي، انقسامات جديدة؟ وهل يتمكن الشعب العراقي من مواجهة أي حالة انقسام تحركها المصالح الطائفية؟

هل يمكن بناء تجربة سياسية على أساس أحزاب وطنية تضم كل المكونات العراقية المختلفة في أجواء تتضخم فيها مصالح ونفوذ الأحزاب الدينية في السلطة، وفي ظل صراع مصالح إقليمية حول مستقبل العراق؟

كاتب عراقي

9