التظاهرات تقود إلى صحوة المشروع الوطني العراقي

السبت 2015/08/15
متظاهرون عراقيون احتشدوا أمس في شوارع بغداد مطالبين باستبعاد مسؤولين حكوميين اتهموهم بالفساد، في أجواء استعادت الشعور الوطني العراقي

بغداد - عادت الشعارات الوطنية على غير العادة وخفتت النداءات الطائفية في التظاهرات التي عمّت العاصمة العراقية بغداد ومدنا أخرى منددة بفساد الطبقة السياسية في البلاد، مما أعاد مرة أخرى الحديث عن المشروع الوطني العراقي في مرحلة ما قبل الغزو الأميركي عام 2003.

وتعيش العاصمة العراقية بغداد على وقع الإصلاحات الحكومية التي اتخذها رئيس الوزراء حيدر العبادي مؤخرا. ويقول مراقبون إن الطريق لا يزال طويلا كي تؤثر هذه الخطوات غير المسبوقة في الوضع السياسي والتركيبة الطائفية التي هيمنت على المجتمع.

وارتفع سقف توقعات العراقيين، وطالب المتظاهرون بالأمس بإلغاء الوقفين السنّي والشيعي وتحويلهما إلى “وقف ديوان المسلمين” وإقرار قانون تجريم الطائفية والمذهبية، كما طالبوا أيضا بتشكيل حكومة تكنوقراط وإصلاح النظام القضائي.

وتضامن مع هذه المطالب المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني، وأعلن متحدث باسمه أمس دعمه الإصلاحات التي أقرتها الحكومة ومجلس النواب العراقيان لمكافحة الفساد، مشددا على ضرورة إصلاح النظام القضائي للتماشي معها.

لكن الاتهامات طالت السيستاني نفسه على اعتبار أن الأحزاب الدينية والطائفية ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي قد وصلوا إلى الحكم بمباركته.

وفي الأيام الأخيرة، لم يعبأ المتظاهرون بموجة الحر الشديدة التي تجتاح البلاد، وغابت الفوارق العرقية والمذهبية بين المتظاهرين الذين أعربوا عن نيتهم رفع سقف مطالبهم إلى حدّ بات يهدد أسس النظام السياسي في البلاد.

ودفع ذلك العبادي إلى التحذير من إسقاط النظام السياسي. واعتبر في تغريدة له على موقع تويتر أن غياب الشرعية سيعني سيطرة المجموعات المسلحة على البلاد.

وقال الدكتور مازن إسماعيل الرمضاني، عميد كلية العلوم السياسية السابق في بغداد، إن “معطيات الواقع العراقي بعد عام 2003 لا تسمح للمرء بأن يتبنى رؤى متشائمة أو متفائلة، وإنما الأخذ برؤية تجمع بينهما في آن واحد”.

وأوضح الرمضاني في تصريحات لـ”العرب” أن العراق منذ الاحتلال عام 2003 “لم يعد دولة هدف ومواطنة ومؤسسات فاعلة ومؤثرة، وإنما دولة سلطة ومكونات وإقطاعيات طائفية وإثنية تنتشر فيها ثقافة التهميش والترهيب الطائفي والفساد والإفساد”.

مازن الرمضاني: معطيات الواقع العراقي الحالي لا تسمح بإحداث تحول حقيقي وشامل

وقال الأكاديمي العراقي إن المعطيات المعاصر لا تسمح بإحداث تحوّل حقيقي.

ويرتبط مستقبل العراق بمجموعة مشاهد، الأول الذي يعني استمرار التردي والتراجع الحضاري، وقد يفضي إلى التقسيم، مشيرا إلى تجربة تجزئة يوغسلافيا كأحد الأمثلة المعاصرة.

ويفترض المشهد الثاني أن العراق قد شهد تغييرا، وتبعا لذلك فإنه يفترض حدوث تحولات شاملة وجذرية تؤدي إلى الالتزام بعملية ديمقراطية حقيقية وتحقيق العدالة الاجتماعية وإلغاء المحاصصة الطائفية، لكن هذا يظل مستبعدا الوصول إليه في العراق على المدى القصير.

وسيستمر الواقع العراقي مقترنا بنوعين من المعطيات في آن واحد: أولهما تغليب الولاءات الفرعية بأنواعها على الولاء للوطن، فالتنشئة الاجتماعية والسياسية التي خضع لها الفرد العراقي خلال أكثر من عقد متفاعلة مع تأثير مدخلات الفقر والتخلف في تكريس مشهد التردي والتراجع الحضاري لا تسمح بغير ذلك.

أما ثانيهما فهو انتشار إدراك مفاده أن تغليب الولاء الفرعي على الوطني لا يؤدي فقط إلى استمرار تراجع العراق حضاريا وإخراجه من صناعة التاريخ، وإنما أيضا تقسيمه إلى دويلات متصارعة على الأرض والموارد وتابعة لدول الجوار الجغرافي.

ويساعد على انتشار مثل هذا الإدراك الإيجابي أن سلبيات الواقع العراقي الراهن لم تحل دون بروز كتل بشرية واسعة الحجم في المناطق الحضرية تتميز بتوجهاتها الحضارية وتتخذ من الأصالة والحداثة مدخلا للتعامل الواعي مع معطيات الواقع العراقي.

ولا تتردد هذه الكتل في المطالبة بإحداث التغيير الحقيقي والشامل في العراق، ولا تتردد كذلك عن إيقاع التأثير الجاد في أنماط سلوك صناع القرار العراقي تأمينا لمطالبها في التغيير. ومازال الوقت مبكّرا لجني ثمار عملية الإصلاح التي يرى مراقبون أنها قد تكون بداية لاستعادة العراق كوطن جامع لكل الطوائف والمذاهب والمكونات.

ويقول السياسي العراقي غسان العطية إن الخطوة التي جاء بها رئيس الوزراء العراقي “فتحت الأبواب للإصلاح، وهي بذلك بداية بحاجة إلى تصور متكامل وأهداف محددة، وليس الاكتفاء بشعارات، فكل شعار منها كمحاربة الفساد أو إنهاء المحاصصة وغيرهما من شعارات تلامس مشاعر المواطن بحاجة إلى خارطة طريق ووضوح في الخطوات المرتقبة”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “مثل هذه الخارطة بحاجة ماسة إلى تحالفات سياسية برلمانية وشعبية قادرة على الدفاع عنها، ومن هنا ضرورة أن يشرع العبادي في المساهمة في إعادة الاصطفاف السياسي بما يفرز برلمانيا وشعبيا قوى تؤمن وتدعم الإصلاح للوقوف في وجه المتضررين من هذا الإصلاح والقوى الطائفية والفاسدة”.

1