التظاهرة الثقافية

السبت 2014/12/06

كثيرا ما تساءلت في قرارة نفسي عن معنى “تظاهرة ثقافية”، هذه التسمية التي تتكرر دائما عن حدث ثقافي ما، حتى الحدث الثقافي هذا يبدو ضبابيا في مفهومه.

المسألة قد تبدو ساذجة، كمن يتساءل عن معنى “ماء”، أو أيّ شيء عادي ومتداول بين الناس.والواقع أن هناك مفاهيم متناقضة؛ فشق يعتبر التظاهرات الثقافية فعلا ترفيهيا وضربا من الترف، ويعتبر تظاهرة ثقافية كل المهرجانات صيفية كانت أو غيرها، وآخرون يعتبرون كل ما حاد عن العامي والمشترك، من تجمّعات وتجمهر حول صنف من صنوف الفن، هو التظاهرة الثقافية الحق.

وكلا الرأيين لا يبدو صادرا عن رؤية عميقة ومنفتحة ترصد التظاهرة الثقافية في بيئتها ومدى ارتباطها بجذورها. ويمكن هنا أن نلاحظ التعامل مع الفعل الثقافي على أنه طارئ، والطارئ ينبثق كالفطر وسرعان ما يزول.

بالنسبة إلى الشعوب العربية هناك خلل واضح في الفعل الثقافي المنقسم بين فعل تأصيليين لراهن لا يمكن تأصيله، وفعل منفتحين حداثيين يمارسون ثقافة بعيدة عن تربتهم وبيئتهم، وقد أفرز هذا جنسا ثالثا من ممارسي الثقافة هم الهجناء الذين يقدّمون سلعة ترفيهية تفرضها حاجات السوق.

إن الفعل الثقافي فعل محوري للشعوب في مسارها التاريخي، لذلك لا معنى لثقافة من أصله إذا ظلت مجرّد تظاهرة أو تمظهر مناسباتي، لا يستوعب الفاعل الثقافي معه المسار الثقافي لشعبه ولا يقدّم له أكثر من فرقعة ضوئية في ليل معتم، قد ينتبه إليها البعض لكنها تزول بسرعة.

بعد ثورات الربيع العربي شهدت مجتمعات مثل المجتمع التونسي والمصري، تمشيا في الفعل الثقافي والتظاهرات الثقافية تحت يافطة ثقافة الشارع، من غرافيتي وأدب تفاصيلي إلى موسيقى شعبية، إلخ.. في محاولة لالتحام الفاعل الثقافي بشعبه الذي بَطُل النظرُ إليه جاهلا ومتخلفا، بل كبيئة حاضنة للثقافة ومنتجة لها، وإن كان هذا أمرا مطلوبا، لكنه تحوّل في أغلبه إلى ما يشبه تلك الفرقعة الضوئية.

ما نخشاه، في ظل غياب القراءة النقدية، أن يتحوّل الفعل الثقافي الصادر عن الروح الجديدة للشباب إلى مجرّد ديكور تختطفه السلطة، عن طريق شرعنتها له كما حصل مع فنون الشارع، لتجعل منه قناعا يغطي دورها في تأبيد انكسار روح المواطن العربي، بضحكة ورقية. والبحث في هذا وغيره يحتاج منا إلى تبصّر نقدي منفتح وجدي.


شاعر وكاتب من تونس

17