التعاسة تلاحق المراهقين في سن الـ50

الاثنين 2014/06/09
ظاهرة المراهقة المتأخرة هروب من الإحساس بالرتابة والملل

القاهرة - معلوم أن الرجل لا يصل إلى مرحلة النضج والحكمة إلا بعد سن الأربعين، ولكن اليوم أصبحنا نراه بملابس ملونة غريبة وبسلاسل تتدلى من العنق يطارد البنات ويبكي الفراق والهجران، متشبها بالمرأة المتصابية التي تحاول بشكل مبالغ فيه أن تمسك بجمال غابر، وأن تؤكد لنفسها أولا وللآخرين على أنها لا تزال مرغوبا في سحرها ما يكفي لأسر الجميع.

يقول الدكتور أسامة فهمي، أستاذ العلوم السلوكية بجامعة حلوان حول هذه الظاهرة، المراهقة تأتي مرة واحدة في العمر، في الفترة ما بين العاشرة والسابعة عشرة، وفيها ينتاب الإنسان نوع من التوتر والإتيان بسلوك عشوائي، نتيجة الحيرة والتناقض بين رغباته النفسية الداخلية وما يجب أن يسلكه في المجتمع، فهناك أناس يعيشون هذه الفترة مفرغين كل شحناتهم النفسية، ويسلكون بمنتهى الحرية مع ما يتوافق مع رغباتهم الداخلية دون اهتمام برد فعل الآخرين تجاه سلوكهم، ومثل هذه التصرفات وغيرها من ارتداء الأزياء الغريبة والمرور بالتجارب العاطفية، تصبح عاملا مضادا فيما بعد تمنع الارتداد للممارسة.

والحياة بهذه الصورة في سن الخمسين، فإذا حدث للشخص هذا الارتداد كمحاولة لاستعادة ما فاته وتعويض ما فقده من حرية، فإنها لا تعد مراهقة ثانية أو متأخرة وإنما رغبة في العثور على البهجة.

أما الدكتورة نوال عمر، أستاذ الإعلام فتقول، إن وصول الإنسان إلى هذه المرحلة من العمر وهي سن الـ40 أو الـ50 هو وقوف على أرض الاستقرار والنضج العقلي والعاطفي، وتحقيق الكثير من النجاحات والإنجازات العملية والمعنوية أيضا على صعيد الأسرة والعلاقات الاجتماعية، فعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الاستقرار يبدأ في التساؤل عن: ماذا حققت؟ وماذا بعد يمكنني أن أحقق؟ ووفقا لإجابته على هذه الأسئلة يتشكل رد فعله تجاه حياته فيما بعد، سالكا أحد الطريقين، إما الارتداد إلى مرحلة المراهقة محاولا استعادة الشباب الزائف، أو الرضا عن الطريق الذي سلكه من البداية والتمادي في تحقيق إنجازات أعلى، وكلما امتلك الإنسان رصيدا كبيرا من النجاح، كانت نسبة ارتداده لهذه المرحلة ضعيفة للغاية، فمن الصعب تضحيته بجهد السنوات الطويلة في مقابل نزوة تهفو إليها نفسه، وفي الوقت ذاته تمنحه نجاحاته مزيدا من الثقة بالنفس والإحساس بالرضا وتسد عليه كل منفذ قد يتسرب من خلاله إحساس بالفراغ.

وترى الدكتورة نوال أن هذه المرحلة من أخطر المراحل التي تمر بها رحلة الزواج لأنها الفيصل بين مزيد من الاستقرار والثبات وبين الوصول إلى الفتور العاطفي والرغبة في التغيير، وأن تحمل عبء الخروج من هذه المرحلة بسلام يقع على عاتق الزوجين معا وليس الزوجة فقط، لأن في ذلك تجنيا عليها بتحميلها ضغوطا نفسية أكبر من طاقتها، لتقع في حيرة بين إرضاء الزوج ومساندته على تحقيق أحلامه واستمرار نجاحاته، وبين محاولة الخروج بذاتها من وهم يسمى “سن اليأس”.

تختلف الاحتياجات بين المرأة والرجل من البيولوجي لدى الرجل إلى العاطفي عند المرأة

أما الدكتورة سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس فتقول، ليس هناك ما يسمى بالمراهقة المتأخرة، فالمراهقة مرتبطة بفترة عمرية معينة وإنما ما يحدث هو ما يسمى “بالنكوص النفسي” والذي ينبع من احتياج الشخص إلى الجنس الآخر خلال مرحلة عمرية قد يكون فيها التعبير عن هذه الاحتياجات والمطالب النفسية مستنكرا من قبل المجتمع، فيضطر الشخص للتأكيد على أنه تمتع بالشباب والحيوية وأنه مؤهل للاستمتاع بحياته كيفما يشاء دون قيود مجتمعية، وتختلف أنواع الاحتياجات بين الرجل والمرأة، فهو احتياج بيولوجي لدى الرجل في حين أنه عاطفي لدى المرأة، التي يتفاقم لديها هذا الإحساس بعد سن الأربعين نتيجة تأثرها بأفكار المجتمع حول سن اليأس، وشعورها بانسحاب جمالها وخوفها من تبلد مشاعر الزوج وإهماله للتعبير عن عواطفه تجاهها.

وحول مرور المرأة بهذه الفترة الحرجة من العمر ومعاناتها من المراهقة النفسية، تقول الدكتورة هدى قناوي، أستاذ علم النفس، قد يكون مرور المرأة بظاهرة المراهقة المتأخرة هروبا من الإحساس بسن اليأس أو تحايلا على ما يحدث لها من تغيرات فسيولوجية، ولكن ما قد يولد هذا الإحساس لديها هو انعكاس لتطور المجتمع ودخول المرأة في مجتمعات وعوالم جديدة لم تكن متاحة سابقا، فالمرأة قديما كانت تتخطى هذه المرحلة بسلام ووعي وقناعة تامة بأن لكل مرحلة عمرية دورها وأنه لابد من سير عجلة الزمن، لتصبح أُمَّا وتؤدي ما عليها من واجبات وينتهي دورها في هذا المضمار، لتبدأ مرحلة العناية بالأحفاد والإحساس بذاتها من خلال ما تلاقيه من سعادة في وجوههم وعرفانا بالجميل لأفعالهم، أما امرأة اليوم، فهي نجمة مجتمعات تؤرقها أنوثتها وتخاف على فقدانها مع مرور الزمن.

وترى الدكتورة هدى، أن أفضل علاج لهذه الظاهرة يتمثل في اهتمام المرأة بممارسة الأنشطة التي تهفو نفسها إليها، أي إعادة اكتشافها لذاتها، وهذه الفترة من العمر هي أخصب فترات اكتشاف الذات بعد الاستراحة من مسؤوليات الحياة وتأدية واجباتنا الاجتماعية، بالإضافة إلى وجود قدر من الفراغ لابد من استثماره، وكثيرا ما سمعنا عن أخريات أبدعن بعد سن الخمسين ولم يمارسن الكتابة أبدا قبل هذه السن.

أما الدكتور أحمد أبو العزايم، أستاذ الطب النفسي فيقول، ما يحدث للإنسان في هذه المرحلة العمرية، نتيجة فشله في الانتصار على الرتابة والملل بعد تخطيه سن الـ50، فهو يثور ويتمرد على حياته ومسؤولياته وزواجه، محاولا استعادة السعادة المفقودة، والحل بسيط إذا كانت المسألة لا تزال في البداية، فالوسط المحيط بهذا “الرجل” من الأصدقاء والمقربين يسهم بشكل فعال في علاجه بتوجيه النقد الرقيق لتصرفاته وإشعاره بمزيد من الاهتمام.

21