التعاطي التونسي مع الاختراق المخابراتي والإعلامي الأجنبي

الجمعة 2016/12/23

حدث الاغتيال المزلزل الذي ذهب ضحيّته المهندس التونسي محمد الزواري أمام منزله في محافظة صفاقس في 15 ديسمبر الماضي، مازال يربك حياة التونسيين أمام ما لاحظوه من ارتباك في تعاطي دولتهم مع الحدث. فحدث الاغتيال كان مصحوبا باستعراض إعلامي لقناة تلفزيونية إسرائيلية بثت مراسلة مباشرة من أمام منزل الفقيد في صفاقس، ثم من أمام وزارة الداخلية في العاصمة تونس.

ومع ذلك لم تتكلم رئاسة الجمهورية إلى اليوم، وهي التي كانت لا تعرف الصمت وتسبق الجميع للحديث عن كل شيء هو من صلاحياتها المباشرة أو هو ليس من مشمولاتها. أما الحكومة فانتظرت خمسة أيام كاملة ليعقد وزير الداخلية، الهادي مجدوب، ندوة صحافية في الغرض في الوقت الذي كان فيه التونسيون ينتظرون ليخرج عليهم رئيس حكومتهم أو الناطق الرسمي باسم الحكومة أو وزير الداخلية أو وزير العدل عند وقوع الاغتيال ليؤكد أو ينفي، وليطمئن الرأي العام إلى أن الدولة موجودة وستؤدي واجبها في تتبع الجناة والدفاع عن مواطنيها.

ولكنّ هذا لم يحدث. والتزمت الدولة وأجهزتها الصمت. وتركت لوسائل الإعلام ولوسائل التواصل الاجتماعي مهمة التعاطي مع الحدث في غياب كامل للمصادر الرسمية. وهذا يؤكد جملة من الأمور؛ منها أن أجهزة الدولة كانت غافلة تمام الغفلة عن الحدث وقد تفاجأت به مثل مواطنيها. ومنها أنها كانت فاقدة للصلابة ورباطة الجأش اللازمتين لاستيعاب الحدث بسرعة والتدخل لطمأنة الرأي العام. ومنها أيضا أنها كانت فاقدة للخبرة الكافية لإقامة خلية أزمة تقدّم الرسائل الاتصالية اللازمة. ومنها كذلك أن الحكومة تعاملت تقنيا مع الحدث لا سياسيا، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا عن صفة الوحدة الوطنية التي تصف بها الحكومة التونسية نفسها.

وحتى التعاطي الأخلاقي والاجتماعي مع حدث الاغتيال كان غريبا إذ لم تقدم الدولة التونسية واجب العزاء لعائلة الفقيد إلا بعد أسبوع كامل، حيث تمّ تكليف عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة بذلك، وهو وزير نقابي وغير متحزب في حكومة يوسف الشاهد بما قد يوحي بالمواقف المحترزة للأحزاب المشاركة في الحكومة، ولا سيما حزبي نداء تونس والنهضة، من إظهار موقف واضح من اغتيال يدين الجهات المنفذة مباشرة ويتعهد بمتابعتها دوليا.

الندوة الصحافية التي عقدها وزير الداخلية كانت كما قلنا تقنية لا سياسية، إذ لم تسمّ الجهة المخابراتية المتورطة في اغتيال المهندس محمد الزواري، ولم تتجرّأ على التنديد بالاختراق الإعلامي الصهيوني لتونس بعد أن أكده وزير الداخلية، وإنما اكتفى بإثباته وعمل على تبريره بما يحمل على إعفاء السلطات التونسية من المسؤولية حين قال إن الصحافي الإسرائيلي دخل بجواز سفر ألماني.

اغتيال محمد الزواري -كما أكّد وزير الداخلية- عمل مخابراتي محكم فيه تخطيط أجنبي وتجنيد عملاء تونسيين عبر مواقع إلكترونية تمويهية وعروض انتداب وهمية وتمويل امتدّ لأشهر وتمّ تنفيذه براحة كاملة والدولة التونسية غائبة تماما. والسؤال كيف كانت ستتفطن لمؤامرة الاغتيال والحال أنها لم تكن على علم بأنّ قائدا عسكريا تونسيا مهما متخصصا في صناعة الطائرات دون طيار في كتائب عزالدين القسام يعيش في تونس، دون أن يوقف أنشطته العسكرية أو يعلم بها الدولة وأجهزتها؟

من جهة أخرى، يعرف الرأي العام في تونس أن بابين كبيرين للإرهاب ذي المصادر الداخلية والخارجية الذي يستهدف تونس هما تأجير السيارات وتأجير المنازل. ومع ذلك لم تشتغل عليهما الحكومات المتعاقبة، ولم تعمل على إعداد القوانين والإجراءات اللازمة لمراقبتهما والتحكم فيهما. فدولة يغلبها واقع قطاع كراء السيارات والمنازل كيف ستتغلب على الإرهاب وعلى الاختراق المخابراتي والإعلامي الأجنبي؟

وللتذكير ليست هذه المرة الأولى التي تتفاجأ فيها تونس بأفلام أو وثائقيات تهم قطاعات دقيقة وأحيانا سيادية في تونس تعرض في وسائل إعلام أجنبية. حدث هذا مع قطاعات مخابر الأدوية، ومع قضايا الجماعات الإرهابية، ومع قضايا الاستغلال الجنسي للأطفال. وبعض هذه المواد كان موجّها ضدّ الدولة التونسية ويسيء إليها ويشوّه سمعتها. هذه المواد كانت ولا تزال تنتجها شركات إنتاج تونسية وأجنبية وتبيعها لمحطات أجنبية.

ومع ذلك ظل هذا القطاع طليقا يستغل شعار حرية الإعلام، دون أن تتمكن الدولة من الإلمام به ومن توضيح الفصل بين حرية التعبير باعتبارها مكسبا للتونسيين، وبين استغلال الشركات لهذا الشعار لتحقيق مكاسب ربحية لها ولكنها تكبّد تونس خسائر فادحة. فلم تعمل الدولة على وقاية نفسها وشعبها من هذه المخاطر الإعلامية التي لها تأثيرات مباشرة على سيادة تونس وعلى علاقاتها الخارجية، ولا سيما الاقتصادية والاستثمارية منها.

الآن تحصد تونس آلاما وأحزانا وخسائر لم تزرع بذرتها، وإنما زرعتها الترويكا طيلة سنتين كاملتين من الحكم الفعلي من مطلع 2012 إلى مطلع 2014، وسنة من الدعم والشحن قبل ذلك طيلة 2011 للتيارات والتنظيمات المتشددة. لا بدّ من الإقرار بأن تونس شجع فيها حكامها الإرهاب خلال مرحلة معينة وبشكل فعلي وعملي. واليوم تجني تونس ودول أخرى في العالم نتائج هذا الخيار اللامسؤول دون اعتذار ولا اعتراف ولا تدارك حتى هذه اللحظة.

إن هذا الخيار المدعم للتشدد والذي أنتج الإرهاب في ما بعد، والذي امتدّ على مدى حكم الترويكا أضعف موقع تونس وجعلها تخسر مكانتها الدولية باعتبارها دولة شعبها مسالم ومدني ديمقراطي. وأوقعها في دوامة من الفشل الاقتصادي الذي صار هو بدوره يفرّخ الإرهاب باعتبار حالة اليأس التي يعمّمها على الشباب التونسي.

اغتيال المهندس الزواري هي عملية تصفية مخابراتية دولية تقع على أرض تونس. تضاف هذه العملية إلى عمليات اغتيال شهداء تونس مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمي. والدولة لم تحم بلعيد والبراهمي اللذين كانا قائدين معروفين ومستهدفين بشكل صريح، فما بالك بالتصدّي لمخطط دولي لتصفية مواطن مجهول لديها.

تونس يجتمع عليها اليوم الإرهاب الخارجي مع الإرهاب الداخلي الذي ساهم في صنعه حكامها في فترة خطيرة من تاريخها كانت تتطلب الحكمة لا التساهل مع التشدّد الإسلامي؛ اغتيال الزواري يثبت أن الدولة في تونس تخسر مجددا شيئا منها.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9