التعاقدات الفلكية سرّ الأزمات الخانقة للأندية العربية ماليا

إضراب اللاعبين بسبب المستحقات شبح يؤرق فرق شمال أفريقيا التي تعاني من أزمات مالية خانقة.
الأحد 2020/01/05
فرصة مهدورة للبروز

تعاني أندية شمال أفريقيا من أزمات مالية خانقة تُظهر حاجتها للبحث عن مصادر تمويل مستدامة، والتوقف عن سياسة المزايدة في صفقات شراء اللاعبين الكبار بمبالغ خيالية لا تستطيع خزائنها توفيرها باستمرار، والاعتماد أكثر على قطاعات الناشئين وتسويقهم لتحقيق عائدات من ورائهم.

القاهرة – يواجه نادي الزمالك المصري أزمة مالية خانقة بعد تخلي أحد رجال الأعمال عن دعم فريق كرة القدم الأول ماليا، ليبدأ اللاعبون في سلسلة من الأداء الباهت أفقدت الفريق 12 نقطة في أول تسع جولات من بطولة الدوري الممتاز، وبات بعيدا عن اللقب الغائب عن خزائنه منذ أربعة أعوام.

وتعكس أزمات الفريق المصري مخاطر تخلي بعض أندية شمال أفريقيا عن مهمتها الأساسية في صناعة اللاعبين ودخولها سوق شراء اللاعب الجاهز، متجاهلة عدم قدرتها المالية على تحمل صفقات المزايدة على البضاعة الجيّدة، والسير عكس التجارب العالمية بعدما استقطبت المشاهير من الدوريات المجاورة، بدلا من منح الفرصة للاعبين المغمورين وتسويقهم بعد الشهرة.

ويجني الزمالك حاليا ثمن القرارات الإدارية المتخبطة التي وجدت في سياسة تغيير قوام فريقها الأساسي لكرة القدم باستمرار كوسيلة للالتفاف على الإخفاقات التي يسجلها على مستوى البطولات، ليدفع النادي خلال الموسم الحالي 6 ملايين دولار تعويضات للاعبين أجانب ومحليين لفسخ تعاقداتهم، مع أن غالبيتهم شاركوا في مباريات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وتسعى الأندية الغائبة عن منصات التتويج لفترات طويلة إلى حشر قائمتها بأكبر قدر من الأسماء المعروفة على أمل تحقيق بطولة تحفظ ماء وجه إدارتها أمام أعضاء الجمعية العمومية وإعادة انتخابهم مجددا دون شغل بالها بحسابات معقدة حول ملفات الديون والقدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى المتوسط.

وأنفق الزمالك المصري خلال العام 2019 نحو 29.5 مليون دولار كمقدمات على شراء لاعبين كبار اعتمادا على سخاء رجال الأعمال الذين بدّل بعضهم ولاءاته، لتواجه الإدارة إشكالية في الوفاء بمستحقات اللاعبين المحترفين، ما دفع اللاعب التونسي حمدي النقاز إلى فسخ تعاقده مع النادي الذي يبحث أيضا بيع زميله فرجاني ساسي ويصل عقده إلى مليون و400 ألف دولار في الموسم الواحد.

ولا تختلف الصورة كثيرا بالنسبة إلى نادي الأفريقي التونسي الذي أنفق الملايين من الدولارات لاستقدام لاعبين محليين وأجانب خلال الفترة الماضية أملا في الحصول على بطولة الرابطة التونسية المحترفة الأولى لكرة القدم (الدوري)، واستطاع بالفعل تحقيقها بعد غياب سبعة أعوام، لكنه في المقابل خرج بأعباء مالية لم يتحرّر منها حتى الآن.

وأجبرت الأزمة الاتحاد التونسي على التدخل في محاولة لإنقاذ الأفريقي من الديون التي تسببت في عقوبات مالية ورياضية، آخرها غرامة الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بخصم 6 نقاط من رصيده في بداية الموسم الحالي، بسبب مستحقات متأخرة من صفقة ضم اللاعب الجزائري إبراهيم الشنيحي.

أزمات مستمرة

يعيش نادي النجم الساحلي التونسي الأزمة ذاتها مع تأخر صرف مستحقات اللاعبين لمدة ثلاثة أشهر، والفشل في تدبير القسط الأول للجدولة المتفق عليها مع النادي الأهلي المصري المتعلقة بصفقة المهاجم الإيفواري سليمان كوليبالي، ما يؤكد أن الأزمات المسيطرة على أندية شمال أفريقيا تدور جميعها في فلك واحد.

وظلت أندية تونس والمغرب والجزائر بمثابة بوابة عبور للاعبي غرب أفريقيا إلى المنطقة العربية، فبحكم إجادتها للفرنسية وامتلاكها وكلاء للاعبين الشبان استطاعت اقتناء مواهب رخيصة وإعادة بيعها لأندية مجاورة بعد تألقها، ما كان يوفر لها موردا مستمرا لكنها تراخت عن تلك السياسة وتماهت مع فكرة شراء اللاعب “السوبر”.

ويقول المحلل الرياضي محمد اللاهوني لـ“العرب”، إن المشكلات المالية تكاد تكون سمة واحدة لأندية شمال أفريقيا حاليا لكن المسببات ليست واحدة، ففي مصر ترتبط أكثر بسوء الإدارة وفي تونس والجزائر تتعلق بغياب التمويل المتنوع والتأثر بالأزمات الاقتصادية والأمنية العامة.

وكانت الأندية المصرية تعتمد على الناشئين بصورة أساسية مع استقطاب عدد محدود من لاعبي الفرق المنافسة قبل أن يفتح باب الاحتراف على مصراعيه لتتسابق في تدمير المنافسين عبر تفريغهم من الكفاءات حتى لو كانت لا تحتاجهم وتأخذ أسعار اللاعبين صعودا خياليا وبات بعضهم أغلى من قيمة لاعبين جيّدين في الدوريات الأوروبية.

بدلا من تشجيع اللاعبين على الاحتراف مارست الأندية المصرية كل وسائل الإغراء لإعادة لاعبيها المحترفين في الخارج إلى حظيرتها مجددا قبل أن يكملوا تجربة ناجحة تكسبهم المزيد من الخبرات

وساهم اعتماد اتحاد شمال أفريقيا (مصر، الجزائر، تونس، المغرب وليبيا) لاعبيه كغير أجانب في 2019 في زيادة تطلعات الأندية المحلية في الدول الأربع في الاستقطاب والحصول على خدمات أبرز النجوم بمبالغ مالية فلكية حتى أصبح الدوري التونسي مشبّعا بالأسماء الجزائرية، والدوري المصري حافلا بالأسماء التونسية.

وجاءت موجة الرحيل مع عجز الكثير من الأندية الجزائرية عن تسديد رواتب لاعبيها ومدربيها حتى أن لاعبي ناديي اتحاد الجزائر ووفاق سطيف أضربوا احتجاجا على أوضاعهم المالية، واضطرت الحكومة إلى التدخل باتخاذ إجراءات سريعة تحمي الأندية من شبح الإفلاس لتتحمل نفقات طيرانهم للمشاركة في مسابقتي دوري أبطال أفريقيا، وكأس الكونفيدرالية، وطالبت الشركات الحكومية برعايتها.

وبدلا من تشجيع اللاعبين على الاحتراف مارست الأندية المصرية كل وسائل الإغراء لإعادة لاعبيها المحترفين في الخارج إلى حظيرتها مجددا قبل أن يكملوا تجربة ناجحة تكسبهم المزيد من الخبرات، مثل الأهلي الذي أعاد الحصول على خدمات لاعبيه رمضان صبحي، ويحاول استعادة أحمد حجازي.

وخاض رمضان صبحي تجربة احتراف قصيرة في ناديي ستوك سيتي وهيدرسفيلد الإنجليزيين وقبل أن يكملها طالب ناديه السابق (الأهلي) بإعادة الحصول على خدماته على سبيل الإعارة لمدة موسم كامل بمبلغ يقترب من 1.6 مليون جنيه إسترليني.

ويعاني اللاعبون في قطاعات الناشئين في غالبية دوريات شمال أفريقيا حاليا من عدم منحهم الفرصة الكاملة للظهور، وإجبارهم على التنقل على سبيل الإعارة لأندية صغيرة ضعيفة ما يمنعهم من اكتساب الخبرة الكافية التي تؤهلهم للعودة إلى فرقهم الأصلية.

وقرر اتحاد الكرة المصري أخيرا إلغاء دوري مواليد 1997 و1998، ليطيح بالشباب الذين أصبح عليهم البحث عن أندية تضمّهم كلاعبين كبار أو حتى البحث عن فرصة في دوريات الدرجات الأقل، واضطر بعضهم إلى اعتزال كرة القدم مؤقتا لعجزهم عن الصمود إزاء زيادة أعداد اللاعبين الأجانب في الفرق المحلية.

وقال الناقد الرياضي شريف عبدالقادر لـ“العرب”، إن أندية المغرب العربي ظلت طوال تاريخها مرتبطة ثقافيا بدوريات غرب أفريقيا التي تواصل تفريخ النجوم في كرة القدم، واستطاعت عبر تلك الرابطة تقديم وجوه صغيرة للمنطقة العربية وحتى دول أوروبا بإيرادات كبيرة، لكنها تعاني من أوضاع اقتصادية ترتبط بالأوضاع السياسية والأمنية.

وأضاف أن الأندية المصرية ظلت طوال تاريخها تتعامل بواقعية مع قدراتها المالية وعوائدها الممثلة في عائدات الرعاية أو الحقوق الإعلانية ودعم الدولة البسيط، لكن البعض كالزمالك تخطاها ودخل في سياسات تدوير سريع للاعبين، وتغليب المصلحة الشخصية على حساب النادي كإنشاء قناة فضائية في خضم أزمة مالية لأجل أن يتحدث فيها مجلس الإدارة بتكلفة 2.5 مليون دولار.

ويبدو العائد من وراء حقوق البث لدوريات شمال أفريقيا منخفضا كثيرا بسبب محلية المتابعة وغياب التسويق الجيد، على عكس الدوريات الأوروبية التي تحظى بجماهيرية عالمية مثل الدوري الإسباني الذي حقق عوائد تلفزيونية بنحو 1.48 مليار يورو، والدوري الألماني بنحو 960 مليون يورو.

ويرى محللون أن تغيير ملكية الأندية الشعبية الجماهيرية وتحويلها إلى شركات يعتبر حلا للعثرات المالية المستقبلية باعتبارها تضمن وجود إدارات لديها فكر اقتصادي قادرة على الإدارة واستثمار الأصول، سواء الملاعب أو الأنشطة الاجتماعية، وعدم التدخل في القرارات الفنية للفرق لمنحها المرونة اللازمة.

وتوفر الحكومة المصرية دعما للنشاط الرياضي لا يتجاوز 37 مليون دولار سنويا توزع على مختلف اتحادات الرياضة، من بينها كرة القدم، ويوجه بعضها إلى الأندية الشعبية التي لا تنتمي إلى شركات أو لديها أنشطة اجتماعية كبيرة.

كما تبنّت قانونا بتحويل الأندية الشعبية إلى شركات لضمان إدارة احترافية وتمويل مستدام، لكن بنوده لم تلزم مجالس الإدارات بالتحول في مدة زمنية معينة ولم تحدد المعايير، وفشلت في تطبيق التجربة الإماراتية التي كانت واضحة وحددت التحول في أربع سنوات.

وتعترف وزارة الشباب والرياضة بعدم وجود إدارة الموارد البشرية في المجالات الرياضية بوجه عام، ومن بينها كرة القدم، فاعتبارها هواية يساهم في إيصال أشخاص إلى رئاسة بعض الأندية ليست لهم علاقة باقتصاديات الرياضة وغالبيتهم يحملون لقب “الحاج” الذي يطلق في الغالب على التجار أو المقاولين من كبار السن.

سياسات محكمة

الزمالك أنفق في 2019 نحو 29.5 مليون دولار كمقدمات على شراء لاعبين اعتمادا على سخاء رجال الأعمال الذين بدل بعضهم ولاءاته، لتواجه الإدارة إشكالية في الوفاء بمستحقات اللاعبين المحترفين
الزمالك أنفق في 2019 نحو 29.5 مليون دولار كمقدمات على شراء لاعبين اعتمادا على سخاء رجال الأعمال الذين بدل بعضهم ولاءاته، لتواجه الإدارة إشكالية في الوفاء بمستحقات اللاعبين المحترفين

أكد صبحي عبدالسلام، نائب رئيس رابطة النقاد الرياضيين لـ“العرب”، أن الأوضاع المالية التي تمر بها الأندية العربية عموما تتطلب البحث عن مصادر استثمارية أكثر استدامة حتى لو كانت بعيدة عن عالم كرة القدم، فلا تمنع القوانين العربية أن يصبح النادي مملوكا لشركات الملابس أو المعدات الرياضية أو مشروعات عقارية.

وتضع الأندية الألمانية سياسات مالية محكمة تجنبها الاختناقات في بطولات الموسم محليا وخارجيا رغم عدم تلقيها أي دعم من جانب الحكومة، عبر تنمية مواردها الذاتية المعتادة، لكن مع وضع سقف لشراء اللاعبين واستثمار عائد بيع المشاهير في جلب المزيد وتقليص ملف الاستدانة.

وأشار محللون إلى أن تبني المواهب المغمورة ومنحها الفرصة يعتبر أهم مصدر لتمويل الأندية الشعبية التي لا تقف وراءها شركات ضخمة تتحمل الأعباء، فنادي بوروسيا دورتموند سجل قبل عامين إيرادات بلغت 536 مليون يورو بفضل بيع لاعبين كبار كان في مقدمتهم عثمان ديمبيلي إلى برشلونة.

ولم يجد ليفربول الإنجليزي غضاضة في بيع لاعبه البرازيلي فيليب كوتينيو لصالح فريق برشلونة مقابل نحو 120 مليون يورو، إضافة إلى 40 مليونا كحوافز في صفقة كانت الأغلى في تاريخ النادي، وجلبت له أموالا كبيرة ساهمت في تدعيم الفريق من جديد بأكثر من لاعب.

وأضاف عبدالسلام أن استمرار الدعم الحكومي لأندية شمال أفريقيا غير ممكن فتظل الضغوط المالية التي تواجهها، والأفضل أن تتولى إدارة شؤونها ذاتيا عبر الطروحات في البورصات، بحيث يمكن للراغبين في شراء أسهمها وتوفير سيولة مالية مستمرة، وبما يسمح لأعضائها بالمساهمة في مراقبة الأداء المالي للإدارات وسحب الثقة منها حال تجاوزها. وبدأت بعض الأندية الرياضية بالفعل في البحث عن روافد استثمارية جديدة.

وكشف عبدالسلام أن الرعاية في الدوري المصري تعاني أزمة بسبب سيطرة شركة واحدة عجزت عن دفع المستحقات الكاملة للأندية، فلم يحصل الزمالك إلا على ثلث المبلغ المتفق عليه معها، مع غياب عائد بيع تذاكر المباريات لمنع الجماهير من الحضور، وتراجع العائدات الإعلانية بوجه عام على وقع تغيّر اتجاهات المعلنين نحو وسائل التواصل الاجتماعي.

ومنعت السلطات المصرية الجماهير من حضور مباريات الدوري في أعقاب أحداث ملعب بورسعيد التي شهدت مقتل 74 مشجعا في أعقاب مباراة الأهلي والمصري في 2012، ومع عودتها مجددا في 2015 وقعت حادثة تدافع أسفرت عن مقتل 22 مشجعا خلال مباراة الزمالك وإنبي، ولم يفتح الملف على مدار السنوات الأربع الماضية.

وتعتمد الأندية على اشتراكات الأعضاء وتبرعات رجال الأعمال ونتائج البطولات والمنافسات الرياضية، والأملاك الخاصة كالمحال التجارية الملحقة بفروعها وأعمال الرعاية والدعم ولكنها جميعا لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها وأعبائها المتزايدة وتظل جميعها مقترنة بنجاحها في تحقيق البطولات لضمان استمرارها في حصد تأييد شبكات جديدة من الجمهور.

22