التعامل الحضاري

الخميس 2015/08/06

جرت العادة، في البلدان المتحضرة، أن يتصل المشرفون على المجلات ودور النشر بكل من يقترح عليهم مادة، ليعلموه بتلقيهم إياها، وموعد نشرها إن حظيت بموافقة لجنة القراءة، ولا يجدون حرجا في إحاطته علما برفضها، إما لكونها لا تدخل في اهتمامات المؤسسة، أو لأنها لا تستجيب لشروط النشر. ولي في هذا المجال تجربة مع دور النشر الفرنسية، بعضها رحّب بمخطوطاتي واتصل بي لمناقشة بنود العقد، وبعضها اعتذر لي لعدم توافر سلسلة تناسب ما اقترحت، بل إن من الناشرين من كتب إليّ يشكرني على جهدي، وينصحني بالتوجه إلى دور نشر معينة تهتمّ بالمواضيع التي أطرقها.

في مقابل ذلك، كم يهدر الكاتب من جهده ووقته وماله كي يعلم بقرار الناشر المحترم، فقد يمرّ عام وزيادة دون أن يأتيه منه ردّ لا بالقبول ولا بالرفض، وقد ينفد صبر الكاتب فيحوّل مخطوطه إلى ناشر آخر، فإذا هو يلقاه بالصمت نفسه، وإن نطق فبتسويف وإرجاء. يحدث هذا عندنا في تونس، حيث يضطرّ الكاتب أحيانا إلى المساهمة في تكاليف النشر، ويحدث في سواها من البلاد العربية، ولي فيها عناوين صدرت دون عقد ولا إشعار، ولولا الأصدقاء لما علمت، وما تلقيت نسخا اقتنوها وأرسلوها من مالهم الخاص.

الاستثناءات موجودة، ولكن مواعيد ناشرينا في العادة عرقوبية، حتى وإن كانت العقود موقعة أسود على أبيض. وفسخها من جانب واحد وارد، ولتولّ وجهك عندئذ شطر أيّ محكمة تريد، فأنت خاسر لا محالة، ولو كسبت القضية. ولي في هذا الباب أيضا تجربة، وعناويني المتراكمة في رفوف الناشرين ثمانية، ولا يعلم إلا الله متى سيفرج عنها، ولكن إذا كان الناشر في الغالب مجرّد تاجر لا يملك همّا ثقافيا، فما البال بمثقفين يسيّرون الصحف والمجلات، ويتعاملون مع زملائهم بتعال واستهانة وتجاهل.

وأغرب ما حدث لي دعوة خاصة تلقيتها في خريف العام الماضي من رئيس تحرير مجلة عريقة، طلب مني إمداده ببعض المواد، فلبيت طلبه. ومرت الأسابيع والشهور بغير ردّ، فبعثت إليه برسالة هذا نصها:

“طلبت صداقتي فقبلت، وعرضت علي المساهمة فاستجبت، ووافيتك بمواضيع متنوعة، لأني لا أعرف بالضبط خط المجلة ولا نوعية المواد التي تفضل نشرها، نظرا إلى عدم توافرها في المهجر. ورغم مراسلتين اثنتين لم يأتني منك ردّ، على الأقل كي تعلمني أن المواد التي اقترحتها لا ترقى إلى مستوى المجلة، وهذا أبسط التعامل الحضاري مع الكتاب، حتى المبتدئين منهم”. ومرّ الآن ما يقارب العام، ولا جواب.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15