التعامل مع الإرهاب بازدواجية يسقط مصداقية محاربته

دعوة الولايات المتحدة إلى مقاومة الإرهاب وتشكيلها لتحالف دولي غايته القضاء على الحركات الجهادية وعلى رأسها داعش، يطرح العديد من التساؤلات حول طرق تعاملها مع هذه الظاهرة رغم اتكائها عليها في غزوها كلا من أفغانستان والعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فتعامل واشنطن مع الحركات الجهادية في العراق يختلف عنه في سوريا، ذلك أن هناك دعوات لإشراك بعض الحركات الجهادية المشابهة لتنظيم داعش في محاربته وكأن النصرة وغيرها من الحركات الإسلاموية العنفية ليست من حركات التطرف والإرهاب، وهنا تظهر التقسيمات المعيارية الأميركية في التعامل مع هذه الظاهرة رغم أن الإرهاب يبقى إرهابا بغض النظر عن مرتكبيه.
الجمعة 2015/09/18
محاربة الإرهاب من المنظور الأميركي ليست غاية بل هي توظيف سياسي

كل الجماعات “الجهادية” التي تقاتل في سوريا هي تنظيمات إرهابية، سواء صنفتها الأمم المتحدة كذلك أم لم تصنفها بسبب حداثة ظهورها، فالأمر سواء.

ولا يحتاج المرء إلى الكثير من الخبرة في الإرهاب كي يميز أفعاله أو يتعرّف عليه. فكل ما تقوم به تلك الجماعات إنما يستند إلى مبدأ واحد: ممارسة العنف في حق المدنيين من خلال إجبارهم على الخضوع لسبل عيش لم يختاروها.

لقد فرض تنظيم داعش شريعته في المناطق السورية التي يسيطر عليها وصار معروفا مصير كل مَن لا يستجيب لبنود تلك الشريعة البدائية التي تتخذ من الدين واجهة لها. سيكون مصيره الموت سحلا أو رجما أو شنقا أو أن يقطع رأسه ويعلق على أحد الأعمدة. هذا ما وقع وما يقع كل يوم من أيام الحقبة الداعشية السوداء.

أيمكن أن يختلف اثنان على أن داعش وسواه من التنظيمات غير الشرعية هي تنظيمات خارجة على القانون قامت في ظل الفوضى وستظل قائمة ما دامت تلك الفوضى قائمة؟ لا أحد في إمكانه أن ينكر علنا ذلك. فالموضوع يتعلق بجرائم ضد الإنسانية. غير أن هناك اجتهادا منافقا يجعل من قتال النظام السوري مبررا للقبول بوجود تلك التنظيمات، غالبا ما يسعى أصحابه إلى التلويح بوجود صلة بين تدخل حزب الله وسواه من الميليشيات الشيعية الإرهابية في الحرب وممارسة داعش لنشاطه الإجرامي على الأراضي السورية. وهي وجهة نظر ساذجة لا تعبّر إلا عن خبث يتخذ من الشر مبررا لشر يقابله.

غير أن كارثة قلب المفاهيم تقع حين تتبنى دولة ترفع شعار الحرب على الإرهاب مثل الولايات المتحدة مفهوما انتقائيا تصنف من خلاله الإرهاب إلى درجات. فما هو مضر من داعش في العراق قد يكون نافعا في سوريا.

الحرب التي تشن على داعش يغلب عليها الطابع السياسي وهي لا تشن من أجل الدفاع عن كرامة الناس

الآن تستعد القوات الأميركية للعب دور أكبر في تحرير الأنبار العراقية من قبضة داعش. سيكون انهيار التنظيم الإرهابي في الأنبار بداية مؤكدة لهزيمته في العراق. ولكن هل يحق للمرء في أن يتساءل “لمَ لا تفعل القوات الأميركية الشيء نفسه مع داعش في الرقة السورية؟”. ستظل علامة الاستفهام قائمة. وما يجري على داعش في العراق لا يجري عليه في سوريا. والمعادلة في سوريا تكاد تكون مختلفة تماما عن المعادلة في العراق.

فالنظام في العراق والذي كان على وشك الانهيار بسبب ماكنة الفساد التي اخترقته هو في حاجة إلى أن يحقق انتصارا يعيد إليه شيئا من هيبته، وهو ما مطلوب أميركيا، بناء على أن ذلك النظام هو عبارة عن طبخة أميركية فاشلة.

أما فيما يتعلق بسوريا فإن تنظيم داعش هناك يقاتل نظاما، المطلوب أميركيا إسقاطه، كما أن ذلك النظام المسنود من قبل روسيا وإيران لن يكون من السهل إعادة تأهيله وطنيا، إن بقي داعش مسيطرا على المناطق التي يحتلها الآن أو أزيل كل أثر له. لذلك فإن استمرار تنظيم الدولة وسواه من الجماعات الإرهابية في الحرب ضد النظام وضد الشعب السوري، على حد سواء، سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف النظام أكثر وتمزيق النسيج الاجتماعي السوري في انتظار لحظة الحسم الدولي.

لم يقل أحد في الإدارة الأميركية إن داعش في سوريا ليس تنظيما إرهابيا، بل قيل على لسان غير مسؤول أميركي، إن الأمر هناك مختلف. وهو ما لا يحتاج إلى مزيد شرح أو إيضاح.

فالحرب التي تشن على داعش يغلب عليها الطابع السياسي وهي لا تشن من أجل الدفاع عن كرامة الناس التي هدرت من قبل داعش ولا عن إنسانيتهم التي نشرتها داعش على حبال غسيل متسخة. فلا يزال الإرهاب إرهابا، غير أن طريقة النظر إليه هي المشكلة.

13