التعامل مع عائدي داعش.. تدابير صارمة وأخرى ناعمة ودمج بين الوصفتين

تجارب إصلاحية تثبت نجاحها في السعودية ومصر والمغرب، والتدابير الصلبة من المحتمل أن تؤدي إلى رد فعل عكسي قد يؤدي إلى تعزيز التطرف.
الجمعة 2018/08/31
عائد من جحيم الفكر الجهادي

السجون معضلة حقيقية من ناحية كيفية التعامل مع التطرف والإرهاب وكذلك من القادمين من مناطق القتال، ذلك أنها تمثّل مفرخة من ناحية احتوائها على عناصر مهمتها استقطاب النزلاء وتوجيههم نحو الفكر الجهادي، لكنها يمكن أن تكون العلاج عبر اعتماد سبل التوعية والإدماج، وفي هذا الإطار اختلفت طرق التعامل لدى دول أوروبية بين النعومة والصرامة، ولدى بعض الدول العربية تجارب محترمة في هذا الشأن

بروكسل - في كيفية التعامل مع عودة المقاتلين الأجانب، تعاملت بعض الدول الأوروبية، مثل بلجيكا وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا، بشدة مع الموضوع، ولجأت بعضها إلى التجريم أو اتخاذ تدابير من شأنها أن تلغي المواطنة المزدوجة من أجل منع عودتهم مثل المملكة المتحدة التي كانت قد مررت قانونا يلغي الجنسية المزدوجة عن جميع المقاتلين العائدين.

ومن جهة أخرى، لجأت دول أوروبية مثل السويد للتدابير “الناعمة” حيث ركزت حكومات هذه الدول على إعادة دمج المقاتلين العائدين، من خلال تقديم المشورة لهم، وتوفير فرص العمل، وإقامة وتعزيز روابطهم الاجتماعية، ليصبحوا أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم مرة أخرى.

 ويرى باحثون متخصصون في شؤون التعامل مع الإرهاب مثل الباحثة الروسية أورسوليا رازوفا، المهتمة بشؤون الدفاع الأوروبية والمنطقة الأوروبية بشكل عام، في مقال لها تحت عنوان “كيفية التعامل مع عودة المقاتلين الأجانب” أن التدابير الناعمة وحدها لا تكفي، والتدابير الصلبة وحدها من المحتمل أن تؤدي إلى رد فعل عكسي قد يؤدي إلى تعزيز التطرف.

 وبالتالي فإن أفضل التدابير هي تلك التي تمزج ما بين النموذجين، وقد تراوحت سياسة بعض الدول الأوروبية في الدمج ما بين النموذجين، كألمانيا، التي تتخذ برامج فعالة تهدف إلى إعادة تأهيل ودمج المقاتلين العائدين في مجتمعاتهم، من أجل الحد من التطرف، وسياسات أخرى تشمل مصادرة جوازات سفر الأفراد المشبوهين وحظر المنظمات المتطرفة.

وأشار جيكوب بندسغارد، وهو ناشط بارز في برنامج “إعادة تأهيل الجهاديين” إلى ضرورة قيام السلطات المختصة بفتح حوار مع الجهاديين العائدين لمعرفة ما إذا كان الشخص قد ارتكب جرائم، وما نوعها حتى يتم التعامل مع حالته ومحاكمته، وإن تعذّر إثبات قيامه بجرائم ولم يعترف بذلك، فإن على السلطات أن تبذل ما بوسعها لإعادة دمج ذلك الشخص.

 كما لفت جيل دي كيرشوف، وهو منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، إلى أنه من الصعب إثبات أن العائدين كانوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم، ولفت إلى أن السجون تشكل بيئة خصبة للتطرف، وبالتالي يؤكد ضرورة تقويم الأخطار التي قد يشكلها العائدون، ويتم التصرف تبعاً لكل حالة. كما لفت إلى أن قلة من العائدين يخططون لتنفيذ هجوم إرهابي، إلا أن غالبيتهم قد يكونون مخذولين ويعانون من اضطرابات، وكل ما يحتاجون إليه هو إعادة الاندماج في مجتمعاتهم.

على السلطات المختصة فتح حوار مع الجهاديين العائدين لمعرفة ما إذا كان الشخص قد ارتكب جرائم، وما نوعها حتى يتم التعامل مع حالته ومحاكمته

تلفت دراسة أخرى أعدّها الباحثان جورجيا هولمير، المختصة في شؤون الإرهاب والتطرّف والصراع في معهد السلام الأميركي، وآدريان شتوني، وهو باحث في المعهد ذاته، إلى أن عملية إعادة تأهيل الأشخاص ودمجهم بالمجتمع تتطلب وقتاً وجهداً، نظراً إلى ضرورة أن تكون البرامج متكررة ومستدامة، من أجل إزالة الأثر المتبقي للصدمات النفسية. وقد أشارت الدراسة إلى أن إعادة تأهيل المقاتلين الأجانب، الذين لا يزالون مرتبطين أيديولوجيّاً بالقضية سيكون أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة بكثير من العائدين التائبين.

ومن جهة أخرى هناك ضرورة للإبقاء على نوع من الترابط ما بين برامج إعادة التأهيل وإعادة الدمج، وبين خدمات إنفاذ القانون والاستخبارات، من أجل تقليص الأخطار التي قد تظهر في الحالات التي تعمل فيها الجهات المختصة مع أشخاص ما زالوا مرتبطين أيديولوجيّا، ومن الممكن أن يلحقوا الأذى بالآخرين.

 كما ظهرت تجارب متنوعة لمواجهة التطرف داخل السجون في بلدان أوروبية وعربية بشكل أقلّ، ففي ألمانيا انطلقت مبادرة مشاركة الأئمة في مكافحة الإرهاب، حيث يزور الأئمة المساجد لمقابلة السجناء والحوار معهم في كل القضايا التي تدور في أذهانهم.

في التجارب العربية نماذج مشابهة مثل النظم التي طبقت في السعودية، بينما توجهت التجربة المصرية نحو قيادات تنظيم الجماعة الإسلامية التي أصدرت مجموعة من الكتب تحت اسم “المراجعات”، والتي حاول فيها هؤلاء القادة مراجعة المفاهيم الأساسية للسلفية الجهادية، بما يقوّض فاعليتها.

وفي مقابل هذا الأسلوب الذي يعتمد على إحلال مفاهيم دينية بأخرى غيرها، جاء المشروع الألماني تحت مسمّى “شبكة منظمات مكافحة العنف”، وتتعاون في هذه الشبكة جمعيات أهلية غير ربحيّة، يعمل فيها موظفون مسلمون، وتربويون ومختصون اجتماعيون ونفسيون، على إدارة برامج تهتم بنزلاء السجون، وتتابع حالاتهم بعد خروجهم.

وظهرت مبادرة بريطانية في إطار برنامج تدريبي يخوضه من هم معرّضون للخطاب المتطرّف، أو من المعنيين بمواجهة التطرف، وهي مبادرة بعنوان “إن كنت مسلما ستكون بريطانيّا”، والمبادرة موجهة للبريطانيين المسلمين في سن المراهقة وبداية الشباب.

في الجانب التونسي، تتولد المشكلة ذاتها، فقد ازدادت المخاوف من اتساع دائرة التطرف داخل السجون التونسية بعد ثبوت وقوع عمليات استقطاب داخلها وارتفاع أعداد المساجين المتورطين في قضايا إرهابية، وأرجعت المنظمات الحقوقية أسباب ذلك إلى حالة الاكتظاظ التي تشهدها السجون، حيث يختلط السجناء العاديون بالمتورطين في قضايا الإرهاب، وبدأت حملة تهدف إلى إنشاء مكتبات داخل السجون.

وقد أطلقت المبادرة التونسية تحت عنوان “من حق السجين أن يقرأ”، وتهدف إلى جمع الآلاف من الكتب وتوزيعها على السجون كافة لحث المساجين على المطالعة وتنمية القراءة من أجل رفع المستوى المعرفي، وحمايتهم من كل أشكال التغرير والخداع واستغلال الجهل المعرفي. وذلك لأن السلطات المختصة وجدت مكتبات السجون تحتوي على كتب ذات محتوى ضعيف وبعضها يدعو إلى التطرف.

السجون بيئة خصبة للتطرف، مما يؤكد ضرورة تقويم الأخطار التي قد يشكلها العائدون، ويتم التصرف تبعا لكل حالة

 وفي المغرب وقع تدريب الموظفين في السجون على كيفية مواجهة تطرف السجناء، حيث تعمل المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع المندوبية المغربية على تطوير دليل تدريبي حول مواجهة التطرّف في مؤسسات السجن، لتمكين العاملين من معرفة تحوّل السجين نحو الفكر المتطرف.

 وتستهدف المندوبية العامة لإدارة السجون في المغرب، بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تأهيل السجناء المدانين في قضايا الإرهاب من خلال من برنامج “مصالحة” الذي اعتمد على ثلاثة محاور أساسية، هي: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني، والمصالحة مع المجتمع، كمقاربة علمية تتكامل والمقاربة الأمنية الاستباقية، والتحصين الروحي.

في لبنان، وفي إطار دراسة أعدها رافاييل لوفيفر لمركز “كارنيغي للشرق الأوسط” عن الظاهرة السلفية في لبنان، يبرز دور السجون اللبنانية المكتظة، كمصانع للتطرّف تنبغي معالجتها. وقد يكون العفو العام المرتقب في لبنان، مدخلا لمثل هذا الحل.

 ولدى مكتب مركز مكافحة الإرهاب مشروع لإعادة تأهيل الأحداث في السجون في باكستان، يهدف إلى توفير التدريب المهني للأحداث الذين يُلقى القبض عليهم بتهمة أعمال عنف، حتى تتاح لهم فرص تطوير المهارات للتمكّن من الحصول على الرزق ومقاومة نزعة التطرّف في السجون.

تستمر المحاولات والجهود الدولية في تقديم المقترحات في شأن إدارة السجون بغرض منع التحوّل نحو التطرف والتطرف العنيف داخل السجون والتصدي لهما.

تعتبر مذكرة روما لإعادة تأهيل المجرمين هي أول خلاصة وافية للقوانين الدولية غير الملزمة التي تروم تعزيز وتيسير جهود الدول لمكافحة التطرف العنيف، من خلال القضاء على نزعة التطرف في السجون.

ومن المقتطفات البارزة من المذكرة أنه من غير المرجح أن ينجح النهج الواحد المناسب للجميع، فمعرفة ما جربته الدول الأخرى، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، قد يكون مفيدا. إن معرفة المزيد عما نجح وما فشل وسبب نجاحه أو فشله، يمكن أن يقدم دروسا قيمة للحكومات خلال عملها على وضع برامجها أو تحسينها. ويعتبر إدراك سبب انحراف الأفراد السجناء إلى التطرف العنيف بالغ الأهمية لتصميم برامج إعادة تأهيلهم.

13