التعاون الأسري بين القبول والرفض في المجتمعات الذكورية

ليس هناك ما يدعو إلى الخجل الرجالي من القيام بالأعمال المنزلية مناصفة مع أزواجهن، وليس ذلك مدعاة لتباهي الزوجات واعتبار ذلك انتصارا على المنطق الذكوري الذي يسود المجتمعات العربية والإسلامية.
الأحد 2018/10/07
التعاون ينمي مشاعر الودّ

بعض الخصوصيات الأسرية تخرج عن إطارها الزماني والمكاني وفضائها العائلي المخصوص لتصبح، موضوعا للنقاش يثير جدلا كبيرا، بل في بعض الأحيان تصبح موضوع تندّر في الفضاءات العامة كالمقاهي وغيرها.

في بعض الحالات وعلى سبيل الفكاهة لا غير يهمّ أحد الأصدقاء بمغادرة مجلس السمر بالمقهى فيجيبه أصدقاؤه “اذهب، أنت خائف من وزارة الداخلية”، كناية عن الزوجة. أو يقولون له “تضررت أصابعك من الغسيل”، ومثل هذه الجمل تتعاود بين الأصدقاء والأصحاب.

فحتى وإن قيل مثل هذا الكلام على سبيل الفذلكة والتندّر والهزل، فإنه يحيل على عقلية ما -بإيجابياتها وسلبياتها- ترسّخت في المجتمعات الذكورية عبر أحقاب زمنية طويلة، ورغم ما شهدته هذه المجتمعات من تغييرات عميقة مسّت بالأساس بنية الأسرة في تركيبتها وعدد أفرادها ودور الزوجة فيها، خاصة بخروجها إلى العمل جنبا إلى جنب مع الرجل. فما تقييم المجتمع المنشطر بين عقلية ذكورية مترسخة وبين ضرورات حياتية معاصرة مختلفة، للتعاون الأسري؟ وهل للرجل دور فاعل في تخفيف وطأة الأعمال المنزلية من على كاهل زوجته؟

طرح موضوع التعاون الأسري في مجال الأشغال المنزلية بالتحديد، يطرح بين الرجال في إطار التندّر والبحث عن هامش من الهزل في خضمّ الصعوبات الحياتية العديدة، ولذلك أسباب كثيرة لعلّ أبرزها سيطرة العقلية الذكورية الرافضة لقيام الرجل بأعمال منزلية، والرافضة أيضا حتى لنقاش الموضوع في إطار أسري ضيق أو في إطار مجتمعي موسع.

 فما وراء حيطان المنازل يبقى من الأسرار العائلية، ولكن مما لا شك فيه أن هناك من الأزواج من يقومون بأعمال منزلية عديدة من قبيل الاعتناء بالأطفال في سنهم الأولى أو الطبخ أو التنظيف.. ويقومون بذلك مكرهين بضغوط الحياة وضرورة عمل الزوجة أو مقتنعين بذلك بقطع النظر عن وضعية الزوجة الاجتماعية. ولكنهم يحرصون كل الحرص على ألاّ يظهروا تعاونهم مع زوجاتهم للآخرين وخاصّة من المقربين من عائلاتهم أو عائلات زوجاتهم أو أصدقائهم، خوفا من “السخرية” أو “التهكم”.

لنفترض أن زوجا ما بصدد غسل الأواني في المطبخ وزوجته تشاهد التلفاز أو تتصفح جدار صفحتها على الفيسبوك في قاعة الجلوس، وصدفة لاحت في المنزل أمّه دون سابق إنذار. يبدو الموقف عاديا جدّا، زوج يعين زوجته المتعبة، ولكن هذا الموقف العادي سينقلب إلى دراما شديدة التعقيد بالنسبة للزوج الذي سيتحرّج أمام أمه التي ستعتبره فاقدا لـ”شخصيته الرجالية”، وسيتعكّر الجوّ العائلي بلا سبب مقنع، وستتعاظم العداوة بين الزوجة والحماة، وقد تتضخم المسألة وصولا إلى ما لا يحمد عقباه مثل الطلاق. في الجلسات الضيقة للنساء يأخذ الموضوع منحى آخر غير التندّر، فيكتسي سمة التباهي والتفاخر، فتقول إحداهنّ بلهجة تنمّ عن إغاظة الأخريات ودفع الغيرة لديهن إلى أقصى مداها “زوجي مريّحني، يشاركني في كل الأشغال المنزلية، يخاف عليّ من التعب الزائد”، وقد يكون كلامها صحيحا أو يحوي بعض الصحة أو هو كاذب لا وجود له في الواقع المعيش.

وهناك من النسوة من لا يقتنعن بقدرة الزوج على إعانتهنّ بتعلّة أنه لا يحسن الغسل أو التنظيف أو الترتيب، وتعمد الزوجة أحيانا إلى إعادة القيام بإنجاز العمل على هواها.

يبدو أنّ طرح الموضوع لا يزال رهين جدران الفضاءات الأسرية رغم تفتّح المجتمعات على ضرورة المساواة بين الجنسين وضرورة التعاون بين الزوجين في كل ما يخص أسرتهما بما في ذلك التعاون لإنجاز الأشغال المنزلية الكثيرة جدا والتي تتطلب مجهودات جبارة. يقع هذا رغم سعي الدساتير والتراتيب القانونية والتشريعية إلى تطبيق المساواة بين الجنسين، فعلى سبيل الذكر لا الحصر ثار جدل واسع في تونس حول المساواة في الميراث وحول زواج المرأة من الأجنبي، ما كاد أن يؤدي إلى انقسام مجتمعي حادّ.

فلماذا ترسّخت العقلية الذكورية في المجتمعات العربية رغم انفتاحها على المجتمعات الغربية ورغم إقرارها بأنه لا بد من المساواة بين الرجل والمرأة؟ المشكلة إذن هي مشكلة عقلية ناضجة مؤمنة بالتعاون المثمر والفاعل بين الجنسين يصبّ في صالح الأسرة واستقرارها النفسي والمادي، وليس الأمر مرتبطا بالتشريعات والقوانين لأن أغلبها يبقى حبرا على ورق ويبقى الرجل يخجل من التصريح بالقيام بالأعمال المنزلية.

ليس هناك ما يدعو إلى الخجل الرجالي من القيام بالأعمال المنزلية مناصفة مع أزواجهن، وليس ذلك مدعاة لتباهي الزوجات واعتبار ذلك انتصارا على المنطق الذكوري الذي يسود المجتمعات العربية والإسلامية، دون تطويع خاطئ للمرجعيات الأخلاقية القيمية أو الدينية ودون ركوب على متطلبات الحداثة.

فكلا الجنسين وفي ظل متطلبات الحياة العائلية الحديثة من الضروري تغيير العقلية واعتبار الأشغال المنزلية، شأنها شأن أي عمل آخر داخل أو خارج بيت الزوجية، ضرورة حياتية لا تقتصر على الزوجة فقط أو الزوج أو الأبناء أيضا، فهي تنمي لدى الجميع الشعور بالتعاون والتكامل كما تنمي مشاعر الودّ والتراحم بين أفراد الأسرة الواحدة.

21