التعاون الروسي الأميركي في ظل توازن عالمي جديد

السبت 2016/09/10

مر نحو شهر على وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري المباحثات مع الجانب الروسي والمتعلقة بالتعاون العسكري ووقف إطلاق النار في سوريا بأنها “اقتربت من نهايتها”. لم يلمح كيري في ذلك الوقت إلى طبيعة تلك “النهاية”، هل ستكون ثمرة أسابيع مضنية من النقاشات، أم مجرد حائط مسدود جديد يضاف إلى الاستعصاءات المتعددة التي تطبع الحالة السورية؟

بالأمس، وبدلا من إعلان الولايات المتحدة التوصل إلى تفاهم بما يخص سوريا مع الجانب الروسي، أعلنت الاتفاق مع العدو اللدود لموسكو، أي أوكرانيا، على التعاون في مجال تكنولوجيا الدفاع وتحسين قدرات القوات الأوكرانية.

ويعكس ذلك طبيعة التعاون الأميركي – الروسي الذي يبقى محكوما بالصراع بين الدولتين في ظل نظام عالمي جديد لا تزال الولايات المتحدة الأميركية هي القوة المهيمنة فيه، ولكنها تواجه تحديات متزايدة لقيادتها. إذ انتهت القيادة المنفردة للولايات المتحدة للعالم، والتي كانت قد بدأت مع انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 واستمرت حتى اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008.

عاد التوازن من جديد ليحكم الصراعات داخل النظام الدولي، وهو يشكل اليوم أحد مصادر الاستعصاء السوري. ذلك أن اختلال التوازن الدولي وهيمنة القطب الواحد الذي كان قد أتاح في العام 1999 قصف يوغسلافيا من قبل حلف الناتو للمساعدة في التوصل إلى تسوية هناك لم يعد متاحاً اليوم لكي يساعد على حل الأزمة السورية. ولا بد، والحالة تلك، من مفاوضات روسية – أميركية يمكن أن تكون عبثية، كما اتضح حتى الآن، ولكن من دون امتلاك خيار التخلي عنها.

هكذا، فالتعاون الروسي – الأميركي محكوم بالنظام الدولي الجديد وتوازناته، ولكنه محكوم أيضا بالتناقضات الحادة بين الطرفين على صعيد العالم، وهو ما يمنع أن يتخذ أي تعاون عسكري بين الجانبين صفة “الاستراتيجي”. إن مقتضيات الصراع وانعكاساته العالمية هي ما يدفع الولايات المتحدة إلى العمل مع روسيا. وهو ما يفسر صعوبة التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، ذلك أن التعاون ليس غاية بحد ذاته وليس مبنياً على تفاهمات استراتيجية بين الدولتين.

تطرح أميركا على روسيا السؤال التالي: هل تريدون إنهاء الحرب في سوريا؟ تجيب موسكو بنعم ولكن من دون أن تبدي أي قدر من التغيير في سياساتها. بالنسبة إلى واشنطن، بات الطريق نحو إنهاء الحرب السورية أكثر وضوحا بعد تخليها عن المخططات الشاملة للانتقال السياسي، وتبني مقاربة جزئية تعتمد تحقيق أهداف ملموسة تساعد في كبح ديناميات الحرب السورية.

كان شرط واشنطن من أجل الشروع في التعاون العسكري مع روسيا هو أن يتصل هذا التعاون بصورة مباشرة بالانتقال السياسي في سوريا. غير أن ذلك الانتقال، والذي يتولى وضع تفاصيله المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا، لا يزال مبهما ولا يتضمن خطوات ملموسة. هكذا، صار من الضروري مقايضة التعاون العسكري بأهداف ملموسة يمكن التحقق من تنفيذها بوقت قصير، ويشكل ذلك محور استراتيجية أميركا في مفاوضاتها الحالية مع روسيا.

المطلوب تغيير ديناميات الحرب السورية بما يمكن من إحداث نقلة نوعية “ملموسة”، كما يعبر عن ذلك ديمستورا، وهو ما يحيي احتمالات التغيير التي تبدو معدومة حاليا. والحال أن التغيير الملموس يتطلب تغييرا جذريا على صعيد ملفين رئيسيين يشكلان اليوم عارا يتلبس المجتمع الدولي.

يتعلق الأول بوقف قتل المدنيين السوريين، والذي يتم على مستويات مرعبة وغير مسبوقة، عبر حرمان النظام السوري من “متعة” استهدافهم بكل أنواع الأسلحة، بما فيها الكيماوية. ويعتبر ذلك شرطا أميركيا رئيسيا لقبول توقيع اتفاق تعاون عسكري مع روسيا. تحاول واشنطن إنهاء تلك الكارثة المستمرة منذ خمس سنوات من خلال تجريد النظام السوري من ترسانته الجوية التي تتسبب بأكبر قدر من الموت، ولكن تجريده من تلك الترسانة في زمن “التوازن الدولي” لا يمكن أن يتم بتدميرها، وإنما بالتفاوض على هذا الهدف مع الجانب الروسي.

المسألة الثانية التي تضعها الولايات المتحدة ضمن مخطط كبح ديناميات الصراع هي إنهاء حصار نحو مليوني مدني من قبل نظام الأسد. هنا أيضا، لم يكن ممكنا معاقبة النظام السوري عسكريا في ظل “التوازن الدولي”، أو حتى إجباره على إدخال المساعدات الإنسانية، ناهيك عن كسر الحصار. ومن جديد تترك تلك المسألة للمفاوضات الروسية الأميركية.

ولكن المفاوضات باتت محكومة بعامل الوقت، إذ تدخل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما شهرها الأخير في البيت الأبيض قبل انتخاب رئيس جديد. ويشكل ذلك عامل ضغط جديد، يضاف إلى أكبر أزمات واشنطن في الوقت الحالي والتي تتمثل بخلو جعبتها من الخيارات البديلة في الملف السوري.

كاتب فلسطيني سوري

9