التعايش السلمي بين الأديان جوهر الرسالة البابوية من ألبانيا

الثلاثاء 2014/09/23
البابا يحرص في جل زياراته على توجيه رسالة إلى الأطفال مفادها أنهم أمل المستقبل المشرق

تيرانا - البابا فرنسيس، اسم اقترن لدى عموم الناس الذين سمعوا عنه أو شهدوا زياراته العديدة إلى بلدان العالم، بالمحبّة وإعلاء قيم التسامح. زيارات عمد البابا إلى إيلائها عناية قصوى من حيث اختيار الوجهة أو الترتيبات أو الخطابات التي ما فتئ في كلّ مرّة يصبغها بلفحة أخرى من لفحاته التي اشتهر بها مذ نال البابوية خلفا للبابا بينيديكتوس السادس عشر. خطابات اشتهرت بجوهرها السمح الداعي إلى التقارب بين أصحاب الديانات وإعلاء قيم التعايش، كان آخرها ما أعلن عنه فرنسيس الأول البابا الأرجنتيني في ألبانيا، أوّل بلاد كانت قد أعلنت إلحادها زمن سيطرة النظام الشيوعي عليها، والتي كانت إحدى محطات زياراته إلى بلدان العالم.

زار البابا فرنسيس، الأحد، ألبانيا التي يحكمها تحالف بين المسلمين والكاثوليك والأرثوذكس، والتي سبق له أن وصفها بأنها “نموذج”، منتقدا استخدام الحركات الدينية المتطرفة الدين كـ”ذريعة” للعنف.

وفي هذا الإطار، قال البابا أمام المسؤولين الألبان، محددا هدف زيارته “لا يظننّ أحد أنه يستطيع أن يجعل من الله درعا عندما يخطط وينفذ أعمال عنف واحتقار للآخرين! يجب ألّا يتخذ أحد من الدين ذريعة للقيام بأعماله الخاصة المخالفة لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية”.

هذا، وقد استقبل رئيس الوزراء الكاثوليكي إدي راما، البابا فرنسيس، الّذي رحب بوصوله بشكل حار مئات الآلاف من الأشخاص في الجادة الكبرى، وفي ساحة الأم تيريزا، حيث أقام قداسا احتفاليا.

وفي سيارة الجيب المكشوفة على طول الجادة المزينة بصور الشهداء المسيحيين الذين سقطوا أيام النظام الشيوعي، توقف البابا مرارا لمصافحة أشخاص كما حمل بعض الأطفال في إشارة منه إلى ضرورة نسيان والتعويل على جيل متسامح للمستقبل يبني وطنا دون ضغائن ولا أحقاد. وقد اتخذت تدابير أمنية مشددة خشية تهديدات سبق أن وجهها “تيار جهادي” للبابا قبل زيارته.

البابا فرنسيس: ألبانيا بلد عانى الكثير، لكنه وفق في إتمام مصالحة بين مختلف طوائفه الدينية

وقد كان البابا، قال في الطائرة للصحافيين إنّ “ألبانيا بلد عانى الكثير. ولقد تمكّن من التوصل إلى السلام ووُفّق إلى إتمام مصالحة بين مختلف طوائفه الدينية.

وتعدّ هذه التجربة الألبانيّة إشارة جيدة إلى العالم كي يعتبر منها ويبذل الجهود من أجل كفّ الصراعات التي لن تنفع في شيء بقدر ما ستخلّفه في القلوب والأفئدة من مرارة وألم”.

وفي سياق زيارته، أشاد البابا فرنسيس، أمام الرئيس بوجار نيشاني، بـ “ألبانيا بلد النسور.. بلد الأبطال الذين ضحوا بحياتهم من أجل استقلال الأمة.. بلد الشهداء الّذين استشهدوا بسبب إيمانهم وتمسّكهم بالقيم النبيلة في زمن الاضطهادات”، على حدّ تعبيره.

كما امتدح البابا موقف المسؤولين السياسيين والدينيين الألبان، وقال إنّ “مناخ الاحترام والثقة المتبادلة بين الكاثوليك والأرثوذوكس والمسلمين كنز ثمين للبلاد ويتضمن معنى خاصا في زمننا هذا الذي يتّسم بكثرة الصراعات”.

وأضاف أن الفحوى الأساسي للدين “تنكرت له المجموعات المتطرفة الّتي تشوه الفروقات بين مختلف الديانات وتستخدمها لأغراض دنيئة، وتجعل منها عاملا خطرا للمواجهة والعنف الذي لا يُبقي ولا يذري”.

ورغم أنّ البابا فرنسيس خاطب في ندائه معتنقي جميع الأديان، إلاّ أنّه ألمح بوضوح أيضا إلى الوضع الراهن الذي تميزه أعمال العنف الّتي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية في كلّ من العراق وسوريا”.

ومن جهة أخرى، قال إنّ “ألبانيا تستطيع أن تواصل السير على هذا الطريق لتصبح مثالا لعدد كبير من البلدان”.

من جهته، قال حسين دولي (85 عاما) وهو مسلم جاء مع أفراد عائلته العشرة من مدينة لاتش القريبة من تيرانا لاستقبال البابا فرنسيس: “ننتمي إلى ديانة أخرى لكنّنا جئنا احتراما وامتنانا لنحصل على بركة البابا الذي عرف بتسامحه ودعوته إلى التعايش والتحابب بين جميع البشر”.

تجدر الإشارة، إلى أنّ الحكومة الألبانية حشدت 2500 شرطي وقناص من النخبة على أسطح المباني بوسط العاصمة تيرانا، حيث أقامت الشرطة 29 نقطة تفتيش. وتمّ حظر تنقل السيارات كما تمّ تفتيش جميع المشاركين في القداس.

الثقة المتبادلة بين الكاثوليك والأرثوذوكس والمسلمين كنز ثمين لألبانيا يتضمن معنى خاصا يتناقض مع الصراعات

وخلال هذه الزيارة، التي استمتر إحدى عشرة ساعة، التقى البابا عددا من المسؤولين الدينيين في البلاد واجتمع مع مندوبي الكاثوليك الألبان. وانتهى اليوم بلقاء في مركز “بيثاني” الاجتماعي في تيرانا، حيث التقى بعدد من الأيتام والمعوقين.

كما أشاد البابا فرنسيس أيضا في ألبانيا بكنيسة في ذروة ازدهارها بعد نظام دكتاتوري ماركسي رهيب سبقته خمسة قرون من الهيمنة العثمانية.

ويذكر أنّه كان قد قال لدى عودته من كوريا “إنّ ألبانيا هي البلد الوحيد بين البلدان الشيوعية الّذي أدرج الإلحاد في دستوره. فقد تمّ تدمير 1820 كنيسة أرثوذكسية وكاثوليكية”.

وقد ساعد احترام الطوباويين الألبان للأم تيريزا الألبانية المقدونية الأصل، ومجيىء عدد كبير من رجال الدين الأجانب، في إحياء الكاثوليكية في البلاد ابتداء من نهاية الثمانينات، عندما أعاد رامز عليا الذي خلف الدكتاتور أنور خوجا الحرية الدينية.

وتجدر الإشارة إلى أنّه مع نهاية الحرب العالمية الثانية، نشأ نظام شيوعي مغلق على العالم. وفي 1967، أعلن خوجا ألبانيا “أول دولة ملحدة في العالم”. وبين 1945 و1985، توفي في الاعتقال أو أعدم سبعة أساقفة و111 كاهنا و10 إكليريكيين وثماني راهبات.

وهؤلاء هم “شهداء الإيمان” الذين كرمهم يوحنا بولس الثاني خلال زيارته إلى البلاد سنة 1993. ورسم آنذاك أربعة أساقفة منهم ميشال كوليكي، الذي كان في الحادية والتسعين من عمره أمضى منها 21 عاما في الاعتقال، والذي غمره بذراعيه في كاتدرائية شكودر.

وقد غادر البابا ألبانيا حاملا مزهرية من الزجاج تحتوي على تراب ألباني، وهي هدية قدمها له رئيس الوزراء باسم جميع الألبان تقديرا لجهوده التي يبذلها في كل بلدان العالم التي زارها من أجل إعلاء قيم التسامح والتعايش والتحابب بين جميع البشر بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو دياناتهم أو مذاهبهم التي يعتقدون بها.

13