التعايش الوظيفي مع كورونا وغلق الحضانات يربكان الأسرة المصرية

الحكومة المصرية تقرر إعادة فتح دور الحضانة رغم تمسك أغلب الأسر بعدم التضحية بأطفالهم في ظل غياب الضمانات الكافية لتحصينهم من عدوى كورونا.
الخميس 2020/07/09
خروج إجباري

رفضت الحكومة في مصر الانصياع لرغبات الأمهات العاملات بحتمية تأجيل عودتهن للعمل مرة أخرى في ظل تفشي وباء كورونا، واستمرار غلق دور الحضانة، بذريعة أن الوضع الاقتصادي يفرض على الدولة أن تتعايش مع الفايروس، وتعيد حركة العمل والإنتاج لوقف نزيف الخسائر، مما فرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها.

القاهرة- اضطرت آية محمد، وهي أم لطفلتين، وتعمل بهيئة البريد، أن توقع على إقرار بالخصم من راتبها الشهري نظير تربية ابنتيها والغياب لأيام عن العمل، مع استمرار غلق دور الحضانة، وعدم وجود مكان بديل وآمن لرعاية الأطفال، في ظل تمسك مؤسسات حكومية وخاصة بالتعايش مع جائحة كورونا.

ولم تنكر صاحبة الثلاثين عاما، أن المبلغ الذي سيتم استقطاعه من راتبها سيؤثر سلبا على اقتصاد الأسرة، ويدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها، لكنها مضطرة إلى ذلك، بعدما أصبحت في حيرة بين اختيار سلامة طفلتيها أو النزول للعمل لتتجنب خسارة عملها مع اقتراب موعد ترقيتها لدرجة وظيفية أعلى.

اضطرت الأم إلى اقتسام أيام الأسبوع مع شقيقتها لتترك الطفلتين عندها وتذهب للعمل ثلاثة أيام، وهي الحد الأدنى المسموح به، على أن تفعل أختها التي تعمل بمصلحة الضرائب نفس الأمر، بحيث تكون رعاية الأطفال بالتشارك بينهما وتتجنبان العقوبات الإدارية والمالية إذا تغيبتا عن عملهما لفترة طويلة للبقاء بجانب الأبناء.

ورفضت الحكومة الانصياع لرغبات الأمهات العاملات بحتمية تأجيل عودتهن للعمل مرة أخرى في ظل تفشي وباء كورونا، واستمرار غلق دور الحضانة، بذريعة أن الوضع الاقتصادي يفرض على الدولة أن تتعايش مع الفايروس، وتعيد حركة العمل والإنتاج لوقف نزيف الخسائر.

وإذا كانت آية تعيش بجوار شقيقتها ووجدت حلا مؤقتا لأزمة رعاية طفلتيها مع نزولها للعمل، فإن الكثير من الأمهات يعانين من غياب المكان الآمن الذي يحتضن الصغار لحين عودتهن من أعمالهن، خاصة إذا كان الأزواج غير متعاونين ولا يتقاسمون مع زوجاتهم مسؤولية الرعاية.

ومعضلة الأمهات العاملات في مصر أن جانبا كبيرا من عبء الإنفاق وترتيب الأولويات يقع على عاتقهن، في حين يركز الآباء على العمل ولا يشاركون الزوجات وضع خطط مستقبلية للتعايش مع الأزمات المالية.

الحمل ثقيل
الحمل ثقيل

ولأن الأم تنظر إلى راتبها باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار الأسرة، تتحمل الضغط النفسي والإرهاق البدني لتتمكن من الاستمرار في عملها حتى لا تخسر المال، وكي توفر لأطفالها بيئة صحية وتربوية سليمة لحين عودتها إلى المنزل.

وقالت نادية رزق، وهي معلمة في مدرسة حكومية، إن “التفاهم بين الزوجين بشأن تحمل المسؤولية كفيل بتخفيف حدة المعاناة بالنسبة إلى الأم العاملة، فالحكومة عندما قررت التعايش مع الوباء أقرت استمرار خفض أعداد الموظفين وجرى تقسيمهم على أيام، ويمكن للأب والأم التناوب في رعاية الأطفال، حسب ظروف العمل”، وهي وزوجها يفعلان ذلك، لكن الأزمة حسب نادية تكمن في أنانية بعض الرجال الذين يتملصون من المسؤولية ويتركون الزوجة تواجه وحدها هذه المعضلة.

وقد تتوسل إحدى الأمهات إلى جيرانها بشكل يومي أن يحتضنوا أطفالها لبضع ساعات لتتمكن من الذهاب إلى العمل، وأخرى تستأجر مربية عندما تضيق بها السبل، وثالثة تستعين بعائلتها وأصهارها وتترك عندهم أبناءها، حتى أصبح الأطفال أكثر ما يثير المنغصات على الأم، لأنها مطالبة بالحفاظ عليهم والاستمرار في الوظيفة وعدم خسارة أي عائد مادي، ووسط كل هذه الضغوط تلبية احتياجات المنزل والقيام بدورها حتى لا تتعرض للنقد والتجريح من زوجها.

ولا تنكر ولاء عيسى التي يبدأ زوجها عمله في إحدى محطات الوقود فجرا، أنها أضحت في حالة نفسية بالغة السوء، ما انعكس على علاقتها بزوجها، وأصبح منزلها لا يخلو من المنغصات اليومية بسبب الضغوط الواقعة عليها كل صباح، فهي تذهب إلى بيت والدتها برفقة أطفالها لتسلمهم لها، ثم تذهب إلى العمل وتعود مرة أخرى لاصطحابهم إلى المنزل وتبدأ في ترتيبه وإعداد الطعام، حتى تجد نفسها في نهاية اليوم منهكة جسديا ومحبطة نفسيا.

وقالت ولاء لـ”العرب”، إن ما خفف عن الكثير من الزوجات مشقة الأبناء وسط ظروف العمل ترك الأبناء في حضن الجدات، كبديل أمثل عن دور الحضانة، حيث تكون رعايتهم على أكمل وجه، ولا يشعرون بغياب الأب أو الأم، ويتم تعويضهم بالحنان المفقود أثناء ذهاب أرباب الأسر إلى أعمالهم، وهي ميزة كانت مفقودة، حيث كان الأبناء يذهبون إلى الأجداد في الإجازات الرسمية فقط، ما أثر على التواصل بينهم، حتى جاء التعايش الوظيفي مع كورونا ليعيد الألفة بين الطرفين.

وتظل الأسرة الوحيدة التي لم تتأثر بعد بقرار تعايش الآباء العاملين مع كورونا، هي التي تقيم في منزل عائلي، لأنه يتم ترك الأبناء مع الأجداد، لكن المعضلة الأكبر عند الأسر التي قررت منذ سنوات التخلي عن مفهوم العائلة الموسعة، وتعيش في عُزلة عن ذويها للمزيد من الاستقرار والابتعاد عن الدخول في مشكلات عائلية، على غرار التدخل في الحياة الشخصية أو فرض نمط حياة بعينه، أو الأسر التي دفعتها ظروف العمل إلى الهجرة بعيدا عن العائلة الموسعة.

ورأت هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع والباحثة في العلاقات الأسرية، أن “التعايش الوظيفي مع كورونا فرض على الأسر أن تعيد النظر في مفهوم التكافل العائلي، وبناء علاقات مع البيئة المحيطة، والتواصل مع الأهل والجيران والأقارب، باعتبارهم الملاذ الآمن لرعاية الأطفال، وعلى أرباب الأسر التفكير في مبررات إنشاء عائلات صغيرة تعيش في جزر منعزلة بذريعة البحث عن الاستقرار وراحة البال”.

وأضافت لـ”العرب”، أن استدعاء الآباء للعمل اختبار جاد للتكافل داخل الأسرة الواحدة، لأنه يؤسس لعائلة متماسكة، ما ينعكس بشكل إيجابي على سلوكيات الأطفال أنفسهم، عندما يجدون الآباء متشاركين في كل شيء لسلامتهم وتربيتهم وتوفير الأجواء الآمنة لهم وعدم تعريض حياتهم للخطر، وفي نفس الوقت لا يتم تحميلهم فاتورة الاستدعاء للعمل.

معضلة الأمهات العاملات في مصر أن جانبا كبيرا من عبء الإنفاق وترتيب الأولويات يقع على عاتقهن، في حين يركز الآباء على العمل ولا يشاركون الزوجات وضع خطط مستقبلية للتعايش مع الأزمات المالية

وشرعت الحكومة في إعادة فتح دور الحضانة لقطع الطريق على الأسر التي تتحجج بالأطفال لرفض النزول إلى العمل، لكن أغلب الآباء والأمهات قرروا عدم التضحية بأبنائهم لغياب الضمانات الكافية في تحصينهم من العدوى في الحضانات، كما أن هناك شكوكا في التزام دور الحضانة بتطبيق إجراءات احترازية صارمة بقبول 25 في المئة فقط من الطاقة الاستيعابية لتعويض خسائر غلقها لشهور.

واستطلعت “العرب”، آراء ثلاثة من أصحاب دور الحضانة بالقاهرة، حول إجراءات إعادة فتحها أمام الأطفال، فجاء الرد بأنهم “لن يعيدوا التشغيل إلا بالقوة الكاملة، لأنهم مضطرون إلى دفع رواتب للعاملين و(معاليم) فواتير الكهرباء والمياه والضرائب، والحكومة لن تُحاسبهم على 25 في المئة فقط من عدد الأطفال، وبالتالي استمرار الغلق أمر واقع لتجنب المزيد من الخسائر”.

ويعني ذلك أنه بعد فتح دور الحضانة سوف تستمر معاناة الأسر التي لديها أطفال، فإذا كان الحضور لـ25 في المئة فقط، فأين يذهب باقي الصغار في ظل وجود قرابة 900 ألف طفل دون سن الرابعة كانوا مسجلين بالحضانات، ومليون و500 ألف طفل أقل من 6 سنوات يلازمون أسرهم لانتهاء العام الدراسي ويصعب ترك كل هؤلاء في المنزل دون عائل؟

21