التعبير عن معاناتنا يمنحنا جرعة من الشجاعة لبداية جديدة

الأربعاء 2015/04/15
التعبير عن مشاعر الألم يمكنه أن يخفف بعض المعاناة النفسية للأفراد

يتخذ تعبير الشخص “الضحية” مرادفات متعددة تذهب جميعها في اتجاه واحد، فهي تعني الخسارة والضعف والحالة المزرية، حيث يكون الفرد مدعاة لشفقة الآخرين وعطفهم، ولعل هذه الصورة المشوهة التي يرى فيها بعض أفراد المجتمع صورة الأفراد المتضررين، لهي أشد قسوة من الآثار المعنوية التي يخلفها الحادث الذي جعلهم ضحايا.

يرى متخصصون بأن الضحية هو الفرد الذي، تعرض إلى هجوم، إصابات، سرقة، اعتداء أو ضرر من خلال مرض أو حادث بشكل لا يمكن تجنبه، أي أنه يقع خارج إرادة الشخص الضحية، ولا يمكن أن تكون هذه المسميات شكلا من أشكال الضعف أو تتسبب لصاحبها بالعار أو الخجل، فلماذا يتحسس البعض من استخدام هذا التعبير سواء أكان ضحية أم متعاطف مع ضحية؟

تورد بيفرلي إنجل، عالمة نفس وكاتبة أميركية شهيرة، أمثلة حية عن محاولة بعض الضحايا الالتفاف على ظروفهم وآلامهم، ذلك بتظاهرهم بالشجاعة والصبر بهدف تجنب حصد تعاطف الغرباء، فأحد السكان المدنيين الذين دمر إعصار تورنادو منزله وممتلكاته مثلا كان قد أظهر تماسكا وجلدا في غير محله في حوار إذاعي على هامش الحدث، وحين سأله المذيع عن مشاعره في اللحظة التي حطت فيها الكارثة على رأسه أجابه بكبرياء “أنا ممتن لأن جميع أفراد أسرتي خرجوا أحياء” ولم يذكر شيئا عن المنزل الذي ضاع والصور والذكريات والأحلام وكل ما يتعلق بالمعاناة الشخصية التي تتسبب فيها خسارة مادية ومعنوية كبيرة كهذه.

ترى إنجل بأن الرجل كان بإمكانه قول الحقيقة والتنفيس عن مشاعره المكلومة ومعاناته بكل حرية، فالتعبير عن مشاعر الألم يمكنه أن يخفف بعض المعاناة النفسية للأفراد ويمنحهم جرعة ضرورية من الشجاعة، لبداية جديدة، لكنه لم يفعل ولن يفعل ومثله الكثيرون، فلماذا يترفع الناس عن نشدان تعاطف الآخرين معهم؟.

لوم الآخرين من ضحايا ظروف حياتية معينة، هو خطأ فادح قد يقع فيه المرء وقد يكون هذا اللوم وبالا عليهم

تردد الرجل وهو يمر بهذه المحنة في التعبير عن كربه، لأنه كان متأكدا بأن لا أحد لديه رغبة في سماع المزيد وبأنه كان ضحية لظرف كان يمكن أن يكون الآخرون ضحايا محتملين له، أو أنهم كانوا في وقت سابق أنفسهم ضحايا لحادث مختلف.

في حادثة الطائرة الماليزية المنكوبة، أوردت نشرات الأخبار لقاءات مع عائلات الضحايا وهم يعبرون عن مشاعر حزن وغضب كبيرين، وهو رد فعل إنساني بدرجة واضحة واستجابة مشروعة تتناسب وطبيعة الفاجعة، إلا أن العديد من المشاهدين في أنحاء متفرقة من العالم لم يستسيغوا هذا التعبير المفرط عن مشاعر الحزن لأنها تسببت في إحساسهم بعدم الراحة، حيث اعتادوا أو تعلموا أن يبحثوا عن الجانب المشرق من الأحداث أيا كانت، فتراهم يرددون في حالات مشابهة عبارات من مثل: الحمد لله، كان يمكن أن يكون الأمر أكثر سوءا.

يؤكد متخصصون في علم النفس على أن التفاؤل المبالغ فيه في المواقف التي تستدعي التعبير بحرية عن مشاعرنا الحقيقية قد يسرق منا إنسانيتنا. ويمثل هذا السلوك تطورا لشخصية الفرد الذي تعلّم منذ نعومة أظفاره بأن يكتم مشاعر الضعف، في مواجهة بعض المواقف حتى لا يصبح أضحوكة للآخرين الذين قد يستغلون نقاط ضعفه للإساءة إليه والسخرية منه.

وتنصح الدكتورة بيفرلي إنجل الأهل، بضرورة السماح لأطفالهم التعبير عن حزنهم وآلامهم بالبكاء وحتى الصراخ للتنفيس عن غضبهم، وإلا فإنهم سيعتادون على كتمان ما قد يصادفهم من إساءات سيقوم بها بعض الكبار حتما مستغلين خوفهم من الإفصاح عن حقيقة مشاعرهم، أما إخفاق الطفل في ذلك فسيعرضه إلى جملة من المواقف التي ستؤثر في مستقبل حياته مثل الضرب والاعتداء البدني والإساءة الجنسية والإهانة اللفظية، وبالتالي سيكبر ليكون ضحية هو الآخر.

التفاؤل المبالغ فيه، في المواقف التي تستدعي التعبير بحرية عن مشاعرنا الحقيقية قد يسرق منا إنسانيتنا

ويبيّن متخصصون في علم النفس التربوي مدى خطورة تجاهل مشاعرنا الذاتية والاستمرار في التظاهر بالقوة وبأن كل شيء يسير على ما يرام، على الرغم من ظاهر الأمر إلا أن الثمن المدفوع سيأتي على حساب أحبائنا وربما أطفالنا الصغار، فعندما نصم أذاننا عن صوت صراخنا الداخلي فمن المؤكد بأننا سنفعل الشيء ذاته مع الآخرين، سنتجاهل صوت ضحايا آخرين خاصة أطفالنا الذين قد يتعرضون يوميا لشتى أنواع الاستغلال والإحباط من قبل الآخرين، ما يؤهلهم للعب دور الضحية بسهولة، ضحية لسوء معاملة الآخرين خاصة أقرانهم في اللعب، الفقر، الشذوذ الجنسي والعنصرية وربما المخدرات.

من جانب آخر، يتخذ بعضنا أسلوب لوم الآخرين لوقوعهم ضحايا ظروف معينة كان يمكنهم تجنبها من وجهة نظرنا، فنحن مثلا نلوم المرأة التي تتعرض للاعتداء أو التحرش بصيغة غير مباشرة، عندما ننتقد أسلوبها في الظهور أو طريقتها في الكلام، كما قد نلوم الفقير على فقره بغرض تحفيزه على بذل مزيد من العمل والجهد المضني لتحسين مستواه المعيشي ونقارنه ببعض الفقراء ورجال الأعمال الذين نجحوا في شق طريقهم في الحياة وتغلبوا على فقرهم، متناسين بأن الحظ أحيانا قد يلعب دورا كبيرا في تهيئة الظرف المناسب لبعض الأشخاص لبلوغ طريق النجاح.

وترى بيفرلي إنجل بأن لوم الآخرين من ضحايا ظروف حياتية معينة، هو خطأ فادح قد يقع فيه المرء وقد يكون هذا اللوم وبالا عليهم ليقف حجر عثرة في طريقهم، في الوقت الذي ينبغي أن نشّد فيه من أزرهم ونشجعهم على البوح بمعاناتهم بصوت عالي، فقد لا تتاح لهم الفرصة مرة أخرى أو ربما تخونهم شجاعتهم للقصاص ممن تسبب في أذيتهم.

21