التعددية الطائفية.. هل تعزز ثقافة التسامح أم تقوضها

شاءت عوامل تاريخية وبشرية وسياسية عديدة أن يرتبط اسم العرب بالإسلام لدى أهالي المغرب العربي خصوصا عند العامة منهم حتى يكاد يستهجن الكثير منهم وجود عربي لا يدين بالإسلام.
الخميس 2016/04/21
دولة المواطنة كفيلة بحفظ حقوق جميع الطوائف

تعدّ المكوّنات الإثنية والدينيّة في المغرب العربي قليلة الحضور ومحتشمة التأثير وقد انصهر قسم كبير منها إلى درجة الذوبان في الغالبية العربية المسلمة السنية المالكيّة ومنها من اختار العيش في “جزر صغيرة” في ما يشبه الجاليات رغم أقدميته التاريخية، مثل الأمازيغ واليهود والخوارج والزنوج وغيرهم.

وكثيرا ما يحسد مثقفو بلاد المغرب أقرانهم في المشرق على ما يميّز بلادهم من “موزاييك ثقافي” من شأنه أن يكسبها تنوّعا يؤسّس لثقافة التسامح والذهاب نحو الآخر على سبيل متعة الاكتشاف وبهجة التفاعل.

ويكفي أن نعرف بأنّ الرواد المؤسّسين للمسرح العربي مثلا كانوا قد جاؤوا من طوائف وديانات مختلفة كمارون تقّاش وأبوخليل قباني ويعقوب صنّوع.

كما انتبه المغاربة إلى وجود طائفة اسمها الدروز من خلال فريد الأطرش وأسمهان ثم الزعيم كمال جنبلاط، وأبحرت أجيال في قواميس العربية عن طريق المسيحيين اللبنانيين أمثال فارس الشدياق وبطرس البستاني ونظرت حتى للتاريخ الإسلامي من خلف روايات جورجي زيدان في “غادة كربلاء” و”فتاة القيروان “و”أحمد بن طولون” وضحكت لكوميديا ماري منيب ونجيب الريحاني و”سلطنت” طربا مع ليلى مراد اليهودية في أفلام حلمي رفلة، وصولا إلى الممثل أنطوان شلهوب الذي صار (عمر الشريف)، وسينما يوسف شاهين المسيحي الإسكندراني أيضا وأصله من زحلة اللبنانية الملقبة بـ”يا جارة الوادي”، وهي قصيدة للشاعر أحمد شوقي الكردي من أم شركسية، أمّا العربي المسيحي الأكثر زخما وحضورا في العالم اليوم، فهو الراحل إدوارد سعيد المعروف بكتابه “الاستشراق” الذي دافع عن المسلمين كما لم يدافع عنهم أحد.

السياسة تحالفت مع التاريخ والجغرافيا على إفقار منطقة المغرب العربي من "نعمة" التنوع الطائفي

كل هذا الزخم الثقافي العربي الذي تعرّف إليه المغاربيون في منتصف القرن الماضي وما رافقه من وعي سياسي، كان قد نشره عرب غير مسلمين بمن فيهم منظرو القومية العربية كميشيل عفلق وغيره.

وتعود أسباب تفوّق عرب المشرق، من غير المسلمين، في نشر الفن والمعرفة إلى أسباب عديدة لعلّ أهمها حظوظهم في الانفتاح على الثقافات الغربية، وأسبقيتهم في التعليم، كما أنهم ينتمون إلى بيئات حضرية عريقة في بلاد الشام ومصر والعراق، دون أن نغفل عاملا سيكولوجيّا أساسيّا وهو سعي الأقليات الدؤوب إلى التفوّق كسلاح للبقاء وإثبات الذات خوفا من أن يطحنها فك الأغلبية.

أمّا في أقطار المغرب العربي فقد استقرّ الإسلام وتمدّد لأنه جاء “منقذا” لشعوب المنطقة من غطرسة الرومان البيزنطيين الذين كانوا يتعاملون مع السكان البربر الأصليين كمواطنين من الدرجة الدنيا، لذلك تلقّف هؤلاء قيم الدين الجديد باحتفاء لا يخلو من النزعة الانتقامية.

كما لا يمكن إغفال طبيعة هذه المجتمعات بالابتعاد عن التجاذبات السياسية التي عادة ما تحشد لنفسها الملل والنحل في المشرق المتاخم لثقافات موغلة في الروحانيات.

ولعلّ العامل الأكثر حسما في “استحواذ” الإسلام على الساحة المغاربية دون المسيحية، هو ارتباط موجات الصراع بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط بهذه الديانة التي لم تتح للسكان الأصليين فرصة النظر إلى قيمها الإيجابية وذلك منذ مغادرة الأندلس، مرورا بحملات الصليبيين ومعارك القراصنة، إلى حين انتهاء آخر عائلة مسيحية فترة حكم الدولة المراديّة بتونس في القرن السابع عشر.

الزخم الثقافي العربي الذي تعرف إليه المغاربة في القرن الماضي وما رافقه من وعي سياسي، كان قد نشره عرب غير مسلمين

كما تشير بعض المصادر إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي وأصبح للإسلام دور لا يمكن إنكاره في المقاومة والتصدي لموجة التجنيس آنذاك.

تحالفت السياسة مع التاريخ والجغرافيا على إفقار منطقة المغرب العربي من “نعمة” التنوع الطائفي الذي ربما كان سيعطيها عمقا وتسامحا أكثر.. من يدري؟ هل هي فعلا “نعمة” أم “نقمة” قاتلة كما نشهدها الآن في بلاد المشرق، حيث ينتشر القتل والتفجيرات لمجرّد الاختلاف في الطائفة والمذهب.

هل تتغيّر الموازين ويعود أهل المشرق ليحسدوا أهل المغرب على هذا التجانس الطائفي والمذهبي الذي ربما أوقعهم في “الأحادية” و”التسطيح”، لكنه جنّبهم ويلات أكثر؟

أغلب الظنّ أنّ مادحي التعددية الطائفية مثل المحتفين بغيابها يبنون أوهامهم في التعايش الاجتماعي والسلم الأهلي على فرضية ما كانت لتوجد لولا وجود خلل ما في بنية العقل العربي الذي تحكمه ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة على حد قول المفكر المغربي محمد عابد الجابري.

بلاد كثيرة في العالم قد حوت وتحوي مؤمنين وغير مؤمنين من إثنيات كثيرة شهدت الأزمات الاقتصادية والسياسية والطبيعية، ولم يقتل فيها واحد بسبب عرقه أو دين عائلته، ذلك أنّ ما يجمعها هو شيء آخر يتقن أهل المشرق والمغرب التنظير فيه، لكنهم لا يمارسونه.

إنه ذلك العقد الخفي المبرم بين الناس وهو الاحترام والإقرار بالاختلاف تحت سقف القانون الذي تضمنه الديمقراطية وتحتكر فيه دولة المواطنة العنف.

كل إنسان في المجتمعات المتحضّرة هو جيّد إلى أن يثبت العكس، أمّا في البلاد المتخلّفة فهو شرّير إلى أن يثبت العكس.

13