التعددية العرقية عامل قوة وإثراء

الجمعة 2014/08/29

كنت بألمانيا في مستهلّ الخمسينات. كانت ألمانيا، خارجة من حرب ضروس، عرفت من جرّائها الهزيمة والدّمار، دمارا شاملا شاهدته في كلّ رقعة زرتها، فلمست آثار البغض البشري والكراهية، والتباهي بالقوّة والجبروت، فأيقنت شرّ النفس البشرية وما تحمله من وحشيّة، تعاني الكثير منها حاليا بعض أقطارنا العربية، لكنّي شاهدت أيضا شعبا فقدَ جيلين من أبنائه، فلا يُرى منه إلا الفتيان الصّغار والشيوخ الكبار، والنساء بأغلبية بارزة. جميعهم يتحرّكون فوق الأنقاض، تدفعهم إرادة بعث الوطن الموؤود وبناء الدّولة المنهارة وتطهير الشرف المهان.

بما أنّ المرء مدنيّ بطبعه، وحبّ الاطلاع غريزته المهيمنة، ومهنة الصّحافة مرضه الموقد فيه البحث عن الخبر والمعلومة، تعاملتْ هذه البديهيات مجتمعة، فدفعتني إلى الخروج من الدّوائر الرّسمية، وانغمست بين البناة المشيّدين رغم الهزيمة مصمّمين، على النهوض والسّير نحو مستقبل زاه منير.

نجحت فعرفت منهم ومنهنّ الكثير، فآلت المعرفة إلى صداقة، وأدّت هذه إلى مزيد التقارب. اثنان منهم، تجاورا وتصادقا، رغم تناقضهما في كلّ شيء. هذا ربّ أعمال يفكر بالأرقام، وذاك طوباوي يعيش بالأحلام. هذا متحرّر من كلّ عقيدة، وذاك متديّن معجب بالاشتراكية الاجتماعية التي صارت نازية. صادقاني حتى كدت أُحسَب على عائلتيهما. ملت أكثر وجالست الطوباوي- اسمه يوزف آرنست- ملت إليه أكثر لأنه واسع العلم والثقافة، ويغلّب حكم العقل في كلّ ما يعالجه من مسائل. لذا كان استغرابي شديدا من إعجابه بالنازية، فسألته وكان جوابه: إني أحبّها وأكرهها، أناصرها وأعاديها، لأنها- أي الاشتراكية الاجتماعية- أعادت الحياة لشعب منهزم مستسلم، يغرق أحزانه في قوارير الكحول، وفي بضع سنوات صار دولة وشعبا موحّدا فخورا. أما الكراهية والعداء، فهما ثمرة مساوئ النازية التي عابها العالم بأسره. قلت صار شعبا فخورا موحّدا، هذه الوحدة والتلاحم هما ما يجلبان الأنظار، فما ألاحظه الآن في كل خطوة وكلّ ركن، هو قوّة ألمانيا الأساسية لأن الشعب من عرق واحد لا خليط فيه. ضحك صاحبي وقال: أنسيت أنّ بزمارك وحّدنا بالقوة؟ نحن بوصفنا شعوبا وقبائل ككلّ الشعوب أو معظمها وما هو اليوم ألمانيا كان أربع ممالك، وست دوقيات كبرى، وخمسا أخرى عادية، وست إمارات، وثلاث مدن حرّة، تحاربت وتنافست طويلا، ولا رابط بينها سوى اللغة، لكن تفوقت الوحدة على كلّ الاعتبارات، فحصلنا على القوّة والازدهار نتيجة تشابك المهارات وتلاقح الثقافات وانصهار الآراء، فكان ما أطلقتم عليه عبارة “العقلية المربّعة” الألمانية (هي في الحقيقة تعبير أوروبي)، قلت إني لا أرى في البلاد إلا دمارا، قال نعم، لكن ستحوّله الإرادة إلى إعمار ومعالم، تذكّر أنّ لكلّ جواد كبوة، والأصيل من الخيل سريعا ما ينهض من كبوته فيعود إلى عدوه.

لست أدري لماذا، شعرت، وصاحبي يتحدّث عن بلاده، كأنه يشير، إلى بلداننا العربية ويقول لي بنظراته، إن عوامل الوحدة والتلاحم لديكم أكثر ممّا كانت لدينا. تمهّلت بضعة أيام، اجتررت فيها ما قاله صديقي وما ظننت أنه تلميح، ثم أخذت تصميمي بكلتا يديّ، واغتنمت جلسة معه فسألته إن كان ما خُيِّل لي صحيحا، أو هو من بنات نفسي وهواجسها. نظر إليّ يوسف ثم قال: صدقني إني لم أقصد شيئا، لكن للحقيقة وصداقتنا، كنت وأنا أشرح لك أوضاعنا، محلّقا في سماوات دنياكم بفعل نظراتك المتلهفة، فلم أسلم من التفكير في ما أنتم فيه وما تملكون من عوامل القوّة ومقوّمات الوحدة التي لم تكن لنا منها إلا اللغة. لا تنس أنّ التمهيد لوحدتنا، وخطاها الأولى كانت اقتصادية، تمثلت في “الاتحاد الجمركي للدول الألمانية” الذي عَرف مراحل وصعوبات، قبل أن يستقرّ نهائيا في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ثمّ اسمح لي بملاحظة، ولا تأخذها مأخذ سوء. أنت شاب، والشباب لا يؤمن بالتؤدة ولا بالمراحل، بينما مصير الشعوب ودولها، يحتاج للتأنّي والتقدّم على مراحل وقبول الفشل، واستدراكه باستنتاج الدّرس والعبرة منه، كما يحتاج إلى إبعاد فكرة “الكلّ وإلاّ فلا” التي كثيرا ما يتبنّاها الشبان أمثالك.

قاطعت سيل أفكاره وأقواله، لأفهمه أنّ أقطارنا بقيت بعيدة عن الرّكب، فلا مناص لها من الجري والعدو والقفز، كي تقترب، لا أقول تلحق، تقترب من الرّكب وقطاره السّريع، بما يجدّ من مخترعات قصّرت المسافات، واقتضبت الأزمنة. ابتسم صديقي وقال: كثيرا ما يؤول الإسراع إلى البطء والتأخير. أليست مقولتكم: في التأنّي السّلامة وفي العجلة النّدامة؟ ثمّ إنّ شؤون الشعوب والأمم لا تقاس بالأشهر والسّنين، فالتمهّل والتبصّر، أضمن لبلوغ المرام بشرط توفّر الإرادة. ثمّ اسمح لي أذكّرك أنّ الوحدة لا تعني حتما الاندماج. إنّ أشكالها متعدّدة. انظر حولك ستجد أشكالا مختلفة من الوحدة- المكسيك، أميركا، الاتحاد السوفيتي، ألمانيا- والقائمة طويلة. النّجاح موقوف على الإرادة والتصميم، وحسن اختيار الشكل والزمن، بهذا يضمن النجاح.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9