التعددية القومية.. نعمة أم نقمة؟

السبت 2013/08/31

تثير الصراعات الإثنية أو القومية تساؤلات عدة، حول أسباب فشل بعض الدول ونجاح أخرى، في معالجة مسألة التعددية القومية في مجتمعاتها.

لا نضيف جديداً بالقول، إن التعددية هي أحد سمات المجتمعات البشرية. وربما، لا توجد دولة واحدة، على وجه الأرض، ليس فيها تعددية قومية أو دينية أو…إلخ. فالتعدد ليست نقيض التوحد والتماسك والتجانس والانسجام. لكن، تبعاً لطبيعة النظام السياسي وسياساته، وبنية دولته ودستورها، فقد تتحول هذه التعددية إلى عامل إضعاف وتفتيت للدولة والمجتمع، وتكون سبباً للنزاعات الأهلية، كما هو واقع الحال في العديد من البلدان.

وتؤكد التجارب التاريخية والمعاصرة، على فشل معظم محاولات دمج الأقليات القومية، وتذويبها بالقوة، وفرض حلول تنتقص من حقوقها السياسية والمدنية والثقافية. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك، هو تفكك ما كان يعرف بإسم المعسكر الاشتراكي، الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وغيرهما، إلى مجموعة من الدول.

مقابل ذلك، فقد لا يكون للتعددية أي تأثير سلبي، بل بالعكس، ربما تشكل مصدر غنى للمجتمع، وأحد عوامل نموه وتطوره وازدهاره، كما هو الحال في العديد من الدول المتقدمة في العالم. فالتعامل الصحيح مع مسألة تعدد القوميات، يكون أولاً بالاعتراف بوجود تلك القوميات، مهما كان حجمها. وثانياً، بفتح حوار بين النظام السياسي السائد والممثلين الحقيقيين لتلك القوميات، بهدف الوصول إلى صيغ قانونية وسياسية تضمن الحقوق نفسها لجميع القوميات، والمساواة بين كل أبناء المجتمع.

في هذا المجال، قد يكون مفيداً، الإشارة إلى، والاستفادة من، تجربة حديثة نوعاً ما، هي تجربة جنوب أفريقيا بعد تخلصها من نظام التمييز العنصري، حيث تم الاعتراف بجميع الهويات القومية، بيض وهنود وسود وملونين، وشكلت «لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا» بهدف كشف الحقيقة وتحقيق المصالحة وترسيخ وحدة المجتمع. وقد عبّر نيلسون مانديلا عند تنصيبه رئيساً لجنوب أفريقيا في عام 1994، عن الهوية الجديدة لبلده بالقول، إنها «أمة قوس قزحية متصالحة مع نفسها ومع العالم».

إن تجاهل وجود الأقليات القومية، وإدارة الظهر لمطالبها، لهو أشبه بالقنبلة الموقوتة التي لابد وأن تأتي لحظة انفجارها، التي لن يكون سهلاً معالجة آثارها «اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب». رب قائل أن بعض الأقليات القومية، ورغم كل ما يمكن أن يقدمه لها، النظام السياسي المسيطر، من مغريات، على صعيد الحقوق والحريات، لن ترض بأقل من الانفصال؟. إن مطلب الانفصال، هو فرضية قائمة، لا يمكن تجاهلها. وإذا ما بات الانفصال، بعد استنزاف كل فرص الحوار، هو الخيار الذي تطالب به أقلية قومية ما، فعندها، لا حول ولا قوة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الطريقة التي يتم بها الانفصال، ستحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بين الدولة الأم والدولة أو الدويلة الوليدة. فالانفصال السلمي سيؤدي إلى بناء علاقات إيجابية بين الدولتين والشعبين. يبقى التأكيد على أن مطلب الانفصال غالباً ما يتغذى من تربة الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتتناسب حدة المطالبة به طرداً مع فشل النظام السياسي في بناء دولة لجميع مواطنيها، واتساع فجوة اللا مساواة بين القوميات، الأمر الذي يفسر لماذا صوّت السودانيون في الجنوب لصالح الانفصال، ولماذا اختار الأوكرانيون والجورجيون والأرمن وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفياتي، الانفصال عنه، ولماذا كان الانفصال عن يوغسلافيا هو خيار الكرواتيين والبوسنيين والكوسوفيين، ولماذا انفصلت تيمور الشرقية عن أندونيسيا،…إلخ، ولماذا ينوس الباسكيون في أسبانيا بين الوحدة والانفصال، بينما لم يصوّت سكان مقاطعة «كيبك» ذات اللغة والثقافة الفرنسيتين، للانفصال عن كندا، رغم أنها أكبر المقاطعات الكندية مساحة والثانية من حيث تعداد السكان، وكذلك فعل الإسكتلنديون عند استفتائهم، حيث صوتوا لصالح عدم الانفصال التام عن بريطانيا.

في نفس السياق، يمكن القول، أن تحسن الأوضاع الاقتصادية في تركيا، والمبادرات الإيجابية، ذات العلاقة بالحقوق الثقافية وغيرها، التي قام بها النظام هناك، إضافة للامتيازات التي يتوقع الأكراد أن يحصلوا عليها في حال انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، هي من الأسباب التي تفسر تراجع حدة النزعة الانفصالية لدى أكراد تركيا.

أما في سوريا التي تشهد اليوم صراعاً دامياً، بين ثورة مسلحة، ونظام مستبد وقاتل، فقد زاد، في الآونة الأخيرة، الحديث عن نيّة أكراد سوريا الانفصال وتشكيل دولة خاصة بهم؟

لكن تصريحات القوى الكردية، تشير إلى غياب الاجماع حول هذه المسألة. مهما يكن، وسواء كان هذا الاجماع، محققاً أم لا، فإننا أميل للظن، بأن تحويلها إلى واقع، هو مسألة، ليست بالبساطة التي يتحدث بها البعض. فالثورة مازالت مشتعلة، وموازين القوى، ليست مستقرة. ومن الصعوبة بمكان، التنبؤ بما هو قادم؟

يبقى القول، إن ضمان الحد الأقصى من الحقوق لجميع مكونات المجتمع التعددي، مع الحفاظ على الحد الأقصى، من وحدة ذلك المجتمع وتماسكه، هي مهمة صعبة، لكنها واقعية وممكنة.

8