التعددية القومية.. نعمة أم نقمة؟

السبت 2013/09/14

تثير الصراعات الإثنية أو القومية، تساؤلات عديدة حول، أسباب فشل بعض الدول ونجاح أخرى، في معالجة مسألة التعددية القومية في مجتمعاتها. لا نضيف جديدا بالقول، إن التعددية هي إحدى سمات المجتمعات البشرية. وربما لا توجد دولة واحدة ليس فيها تعددية قومية أو دينية. فالتعدد ليس نقيض التوحد والتجانس.

لكن تبعا لطبيعة النظام السياسي وسياساته، وبنية دولته ودستورها، قد تتحول هذه التعددية إلى عامل إضعاف وتفتيت للدولة والمجتمع، وتكون سببا في النزاعات الأهلية، كما هو الحال في عديد البلدان. وتؤكد التجارب التاريخية على فشل معظم محاولات دمج الأقليات القومية وتذويبها بالقوة، وفرض حلول تنتقص من حقوقها السياسية والمدنية والثقافية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وغيرهما، إلى مجموعة من الدول. مقابل ذلك قد لا يكون للتعددية أي تأثير سلبي، بل بالعكس ربما تشكل مصدرا إثراء للمجتمع، وأحد عوامل نموه وازدهاره. فالتعامل الصحيح مع مسألة تعدد القوميات، يكون أولا بالاعتراف بوجودها مهما كان حجمها. وثانيا، بفتح حوار بين النظام السياسي السائد والممثلين الحقيقيين لتلك القوميات، بهدف الوصول إلى صيغ قانونية وسياسية تضمن الحقوق نفسها لجميع القوميات.

في هذا المجال، قد يكون مفيدا، الإشارة إلى تجربة حديثة نوعا ما، هي تجربة جنوب أفريقيا بعد تخلصها من التمييز العنصري، حيث تم الاعتراف بجميع الهويات القومية، البيض والهنود والسود والملونين، وشكلت «لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا» بهدف كشف الحقيقة وتحقيق المصالحة وترسيخ وحدة المجتمع. وقد عبر مانديلا عند تنصيبه رئيسا لجنوب أفريقيا عام 1994، عن الهوية الجديدة لبلده بالقول إنها «أمة قوس قزحية متصالحة مع نفسها ومع العالم».

إن تجاهل وجود الأقليات القومية وإدارة الظهر لمطالبها، هو أشبه بالقنبلة الموقوتة التي لابد وأن تأتي لحظة انفجارها.

إن مطلب الانفصال هو فرضية قائمة لا يمكن تجاهلها. وإذا ما بات الانفصال بعد استنزاف كل فرص الحوار، هو الخيار الذي تطالب به أقلية قومية ما فعندها لا حول ولا قوة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الطريقة التي يتم بها الانفصال، ستحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بين الدولة الأم، والدولة أو الدويلة الوليدة. فالانفصال السلمي سيؤدي إلى بناء علاقات إيجابية بين الدولتين والشعبين. يبقى التأكيد على أن مطلب الانفصال، غالبا ما يتغذى من تربة الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتتناسب حدة المطالبة به طردا مع فشل النظام السياسي في بناء دولة لجميع مواطنيها، الأمر الذي يفسر لماذا صوّت السودانيون في الجنوب لصالح الانفصال، ولماذا اختار الأوكرانيون والجورجيون والأرمن وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفييتي الانفصال عنه، ولماذا كان الانفصال عن يوغسلافيا خيار الكرواتيين والبوسنيين والكوسوفيين، ولماذا انفصلت تيمور الشرقية عن أندونيسيا، ولماذا ينوس الباسكيون في أسبانيا بين الوحدة والانفصال، بينما لم يصوت سكان مقاطعة «كيبك» ذات اللغة والثقافة الفرنسيتين للانفصال عن كندا، رغم أنها أكبر المقاطعات الكندية مساحة والثانية من حيث السكان.

في نفس السياق، يمكن القول إن تحسن الأوضاع الاقتصادية في تركيا، والمبادرات الإيجابية ذات العلاقة بالحقوق الثقافية وغيرها التي قام بها النظام، إضافة إلى الامتيازات التي يتوقع الأكراد أن يحصلوا عليها في حال انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، هي من الأسباب التي تفسر تراجع النزعة الانفصالية لدى أكراد تركيا.

أما في سوريا التي تشهد صراعا داميا بين ثورة مسلحة ونظام مستبد، فقد زاد الحديث عن نية أكراد سوريا الانفصال وتشكيل دولة خاصة بهم. لكن تصريحات القوى الكردية، تشير إلى غياب الاجماع حول هذه المسألة. وسواء كان هذا الاجماع محققا أم لا، فإننا أميل للظن بأن تحويلها إلى واقع هو مسألة ليست بالبساطة التي يتحدث بها البعض. فالثورة مازالت مشتعلة وموازين القوى ليست مستقرة، ومن الصعوبة التنبؤ بما هو قادم. إن ضمان الحد الأقصى من الحقوق لجميع مكونات المجتمع التعددي، مع الحفاظ على الحد الأقصى من وحدة ذلك المجتمع وتماسكه، هي مهمة صعبة، لكنها واقعية وممكنة.


كاتب فلسطيني

9