التعددية والديمقراطية لن تأتيا إلى الشرق الأوسط بفضل الغرب

الثلاثاء 2014/06/10

جاء كتاب “الصحوة العربية الثانية ومعركة التعددية”، لمروان المعشر، في الوقت المنساب تزامنا مع حديث الكثير من الملاحظين عن أن ما يسمى بـ”الربيع العربي” قد تحول إلى فشل ذريع، والدليل يوجد في سوريا وليبيا. حيث تحولت الآمال التي ظهرت في سنة 2011 في حصول تحول حقيقي ونظام حكم لائق إلى خيبة أمل.

مروان المعشر، الدبلوماسي الأردني السابق، لا يتفق مع هذا التقييم السوداوي، بالرغم من أنه يوافق على أن ما يسميه “الصحوة العربية” لم يسفر إلى حد الآن عن نتائج جيدة. وبما أن الكتاب خرج بعد إسقاط الحكومة الإخوانية في مصر في منتصف سنة 2013 مباشرة لم يستطع أن يأخذ في الاعتبار هذا الانتقال المهم لمصر إلى نظام أكثر ديمقراطية.

ونظرا إلى التطور السريع في ظهور الأحداث في أماكن مختلفة من العالم، يبدو الكتاب غير مواكب للأحداث في الكثير من جزئياته، لكن مواضيعه الجملية ما زال لها صدى واضحا.

يبدو أن المعشر يكتب بالأساس لجمهور غربي. ويقول بصراحة إن معظم الناس في الغرب لم يفهموا ظاهرة “الربيع العربي” وكانوا شديدي التحمس لمشاهدة نتائج سريعة، ويبعث برسالة مهمة في كتابه مفادها أن الصحوة العربية الثانية مثلها مثل الصحوة الأولى ستنجلي على مدى جيل كامل أو أكثر. وهذا يقوده إلى استعراض سريع للصحوة الأولى التي حدثت في أوائل القرن العشرين، تلك الصحوة التي أفرزت حسا قوميا قويا، وفي نهاية المطاف دعوات إلى الوحدة العربية. وكان النجاح النسبي لهذه الحركة تمثل في تحقيق الاستقلال تقريبا في كل أرجاء العالم العربي، أما الإخفاق فيتمثل في أن الاستقلال أدى في كل مكان تقريبا (لبنان هي استثناء مهم لم تحظ بالاهتمام الذي تستحق هنا) إلى حكومات متسلطة رأت في التعددية علامة على الضعف والانقسام.

الصحوة العربية الثانية التي بدأت في تونس في ديسمبر 2010 كانت في نظر المعشر النتيجة الحتمية لامتزاج السخط الاقتصادي، وردة الفعل ضد الحكومات المستبدة، وجيل من الشباب المحبط كان على اطلاع تام لما يحدث في بقية العالم. ويرى المعشر أن نجاح الإسلام السياسي في الموجة الأولى من الانتخابات التي أجريت على إثر إسقاط الحكومات في تونس ومصر نتيجة مفهومة، فالإسلاميون كانوا منظّمين بشكل افتقده الشباب الليبرالي. وحسب تقديراته لا يستطيع الإسلاميون الحصول على أكثر من عشرين بالمئة من الدعم الشعبي، بيد أنها نسبة كافية للفوز بالانتخابات. لكن عند الصعود إلى الحكم، مثلما رأينا خلال الفترة القصيرة لحكم الإخوان في مصر، من المحتمل أن يفقدوا التأييد بسبب التدهور الاقتصادي وضعف الحكم. ويرى المعشر في تحليله الموضوعي للإسلام السياسي أنه ليس ظاهرة متجانسة.

الفصل الرابع من الكتاب يقيم الحجة على أن الصحوة العربية الثانية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإفراز سياسة تعددية وديمقراطية. ويرى أن أداء مصر وتونس أحسن من الدول الأخرى إلى حد الآن. أما في بقية أنحاء المنطقة، فيبدو أنه من الصعب القول إن الوقت يخدم التعددية. وأسوأ حالة هي كارثة سوريا.

إذن كيف بالإمكان الاستفادة القصوى من عامل الوقت؟ هنا يعتمد الكتاب طريقة إيحائية، بيد أنه كان بالإمكان التصريح بالرأي بشكل أقوى. يأمل الكاتب في أن “قوى ثالثة” – غير النظام القديم والإسلاميين – ستبرز لتنتج نظاما تعدديا جديدا لكن بعد المرور بعثرات لا يمكن تفاديها. وأهم شرط من شروط نجاح هذه القوى يكمن في إصلاح التعليم، وهو موضوع الفصل الخامس الممتاز. تمنيت لو أنه درس هذه “القوى الثالثة” بعناية أكبر. وإلى حد الآن لم يلعب المصلحون الليبراليون الشباب دورا مهما يتجاوز ممارسة السياسة في الشوارع، ومثلما يقول المعشر، وهو محق في ذلك، من الأسهل إشعال فتيل التغيير من المضي به نحو إرساء مؤسسات جديدة فعالة.

وربما لا مناص من الأخذ بعين الاعتبار الصراع العربي الإسرائيلي، وفي هذا السياق يرى المؤلف أن هذا الصراع تسبب في عرقلة جهود الإصلاح. وإذا ما أريد إيجاد حل له فلا بد من أن يكون بسرعة ويقوم على أساس حل الدولتين العادل، لكنه لا يبدو متفائلا بتحقيق ذلك الهدف.

أنهيت الكتاب بشعور بالإعجاب لملاحظات المؤلف المعقولة، لكني شعرت بأن العالم العربي أحوج إلى نسخة منه من الغرب. بعد كل شيء التعددية والديمقراطية لن تأتيا إلى الشرق الأوسط بفضل الغرب، بل يتوجب بالأساس أن تنبع من داخل المنطقة.

التعددية كما يلاحظ المعشر (وهو مصيب في ذلك) هي المكون الأساس الغائب في أغلب أجندات السياسة العربية. ويمكن أن أضيف أنه ليس من الواضح لأغلب الناس أن التعددية في حد ذاتها شيء جيد، اذ يمكن أن تنتج حكومات ضعيفة ومآزق مثلما نرى في واشطن العاصمة في هذا العصر. وهي لا تسير آليا جنبا إلى جنب مع فن الحل الوسط الذي يبدو أنه ضروري لكي نحوّل التعددية من مصدر ضعف محتمل إلى مصدر قوة.

هذا إذن يقودنا إلى ملاحظتين اثنتين؛ الأولى هي أن القيادة يمكن أن تصنع الفارق مثلما رأينا في جنوب أفريقيا التعددية لكن المنقسمة بشكل خطير. لقد جعل نلسن مانديلا من التعددية فضيلة، بينما نوري المالكي لم يفعل ذلك في العراق. ثانيا توحي قصة الدمقرطة في أماكن أخرى من العالم أن مرحلة الصراع المطول – لكن غير المحسوم – قد يكون الشرط المسبق الضروري قبل أن يقبل عدد كبير من الناس الحاجة إلى المؤسسات التي تمنع أي مجموعة معينة من احتكار السلطة. وإذا كانت الحالة على تلك الشاكلة يجب أن نتوقع فترة مطولة من النزاع السياسي المحموم. وهنا قد يكون المعشر مصيبا في قوله أن ذلك سينكشف على مدى عقود من الزمن وليس سنوات فقط، مثلما كان الأمر في أروبا الغربية والأميركتين وتركيا وغيرها.


باحث بمعهد سياسات الشرق الأوسط

6