التعديلات الدستورية في تركيا إعادة تأهيل للدكتاتورية

إلى غاية فوز أردوغان بمنصب رئيس الدولة في الانتخابات الرئاسية في تركيا التي جرت في أغسطس 2014 كان هذا المنصب رمزيا، في حين كان رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية الحقيقية في إدارة البلاد. ولكن بعد تسلم أردوغان منصب رئيس الدولة، انقلبت الأمور وأصبح هو الرئيس الفعلي للبلاد، وهو الآن يعمل جاهدا من أجل إدخال تعديلات على دستور البلاد لتثبيت هذا الأمر دستوريا.
الأحد 2017/02/12
سلفي للذكرى

أنقرة – أكد المجلس الأعلى الانتخابي التركي رسميا السبت أن يوم 16 أبريل المقبل سيكون موعدا لإجراء الاستفتاء حول التعديلات الدستورية الرامية إلى تغيير النظام من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، على مقاس الرئيس رجب طيب أردوغان. وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي لا تزال فيه تركيا تخضع لحالة طوارئ سارية منذ وقوع محاولة انقلاب فاشلة في يوليو الماضي، وسط مظاهر قلق أن يؤدي ذلك إلى عرقلة حركة المعارضة في البلاد.

وسيمثّل الإصلاح الدستوري المقترح واحدا من أكبر التعديلات في نظام الحكم في الدولة -المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي- منذ تأسيس الجمهورية الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية قبل نحو قرن. وسيمكن الإصلاح الرئيس من إصدار المراسيم وإعلان حالة الطوارئ وتعيين الوزراء وكبار المسؤولين في البلاد وربما يؤدي إلى احتفاظ إردوغان بالسلطة في الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي حتى العام 2029.

أبرز التعديلات المطروحة
يحصل الرئيس التركي على المزيد من الصلاحيات التنفيذية ومن بينها إصدار مراسيم لها قوة القانون.

إلغاء منصب رئيس الوزراء، وبدلا من ذلك سوف يقوم الرئيس بتعيين نائب له.

يعين الرئيس الوزراء، بدلا من موافقة البرلمان عليهم، وهو الجهة التي لا تزال تتمتع حتى الآن بصلاحية مراقبة الحكومة، ويمكن للرئيس استحداث وزارات وإلغاء أخرى.

يمكن للرئيس أن يكون عضوا في حزب سياسي، ومن الناحية التاريخية في تركيا، يقطع الرئيس علاقته بالحزب الذي ينتمي إليه، ويصبح شخصية محايدة لدى توليه منصبه.

يتم منح البرلمان صلاحيات واسعة لمراقبة الرئيس، مع ضرورة توافر أغلبية الثلثين لإجراء تحقيق شامل معه.

توسيع نطاق الشروط التي تتيح للرئيس إعلان حالة الطوارئ في البلاد.

تعقد المحاكم العسكرية جلساتها فقط في حالات الصراع لنظر جرائم الحرب.

إعادة تنظيم أسلوب تعيين القضاة، ووضع هذه العملية بشكل أكبر تحت سيطرة الرئاسة والسياسيين.

تعرض الرئاسة مشروع الميزانية العامة للدولة، ويتعين على البرلمان الموافقة عليها.

تتضمن التعديلات المقترحة أيضا زيادة عدد أعضاء البرلمان من 550 إلى 600 عضوا، وخفض الحد الأدنى لسن العضوية من 25 إلى 18 عاما.

تجرى انتخابات الرئيس والبرلمان كل خمس سنوات، وفي نفس اليوم، على أن يكون الموعد التالي لإجرائها هو الثالث من نوفمبر عام 2019.

يمكن للبرلمان أو الرئيس الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكّرة، ومع ذلك، إذا دعا البرلمان إلى إجرائها خلال الفترة الثانية للرئيس، عندئذ يتم السماح للرئيس بخوض الانتخابات للفوز بفترة رئاسية أخرى، ودون ذلك تقتصر مدة الرئاسة على فترتين فقط، ويعني ذلك، من الناحية الفنية، أن هناك طريقا أمام أردوغان للبقاء في الحكم حتى عام 2034.

تنظم التعديلات المقترحة الطريقة التي يتم من خلالها سنّها، وبعضها يحظى بالأولوية، مثل إمكانية انضمام الرئيس لحزب سياسي، بينما البعض الآخر منها، مثل إلغاء منصب رئيس الوزراء، يتم تطبيقه بعد الانتخابات المقبلة.

وفي حين يؤكد أردوغان أن هذا التعديل ضروري لضمان الاستقرار على رأس الحكم في تركيا التي تواجه اعتداءات غير مسبوقة وصعوبات اقتصادية، يعتبره معارضون ومنظمات غير حكومية وسيلة ستتيح للرئيس التفرد بالسلطة، خصوصا في أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016 وما تلاها من حملة تطهير واسعة غير مسبوقة شملت توقيف واعتقال وطرد عشرات الآلاف.

ومثل معظم خطبه نقلت كلمة أردوغان عبر شاشات عدد من المحطات التلفزيونية، ودعا من خلالها الرئيس التركي مواطنيه إلى التصويت من أجل رئاسة تنفيذية “على الطريقة التركية”، مؤكدا أن التعديلات ستجيز “اتخاذ قرارات سريعة” وتتخلص من احتمالات الخلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء. وقال إن الرئاسة التنفيذية ضرورية لتجنب الائتلافات البرلمانية الهشة التي تشكلت في الماضي. وأضاف أن 65 حكومة على مدى 93 عاما من عمر الجمهورية الحديثة أمضت في السلطة مددا متوسطها 166 شهرا فقط.

وكرّر الرئيس التركي ما قاله بشأن التعديلات الدستورية خلال ندوة أعدها مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي، الموالي للحكومة، في إسطنبول، منتقدا فترة تركيا الكمالية بقوله “من يُطلق اسم الديمقراطية على الفترة الممتدة من تاريخ إعلان الجمهورية (1923) حتى فترة الانتقال إلى نظام الأحزاب المتعددة، إما أنه يخدع نفسه أو يحاول خداعنا”. وأضاف في هذا الإطار “لأن اسم هذه الرحلة هو حكومة الحزب الواحد”.

وانتقدت وسائل إعلام تركية ما جاء في كلمة أردوغان، معتبرة أن الرئيس التركي يناقض نفسه عند انتقاده لحكومة الحزب الواحد؛ فما تعيش على وقعه تركيا اليوم يؤكّد أنها ماضية في طريق الدكتاتورية والرئيس الواحد.

ونقلت صحيفة زمان التركية عن محللين سياسيين قولهم إن السلطات التركية قامت بإسكات كل الصحافيين والسياسيين والشخصيات العامة وممثلي منظمات المجتمع المدني الذين سيصوتون بـ”لا” خلال الاستفتاء.

ويرى أنصار أردوغان أن هذه الخطط ضمان للاستقرار في وقت يشهد فوضى تهدد أمن تركيا من جراء حربين في سوريا والعراق المجاورتين، وكذلك من موجة هجمات يشنها مسلحون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية ومسلحون من الأكراد.

وسعيا لكسب دعم المصوتين القوميين حذر الرئيس التركي من أن التصويت ضد تلك التعديلات من شأنه أن يقوّي أعداء تركيا بمن فيهم جماعة حزب العمال الكردستاني المسلحة التي تحارب الدولة منذ أكثر من ثلاثة عقود انطلاقا من معسكرات في جبال قنديل في شمال العراق.

ومع بدء الحملة أكد ساسة معارضون أنهم سيمارسون ضغوطا، حتى لا ينجح الاستفتاء في تمرير هذه التعديلات التي ستزيد من تضييق الخناق على البلاد، وترفع من نسبة الفساد وتدفع السياسة الخارجية نحو مزيد من الانهيار. ويقول الحزبان المعارضان الرئيسيان -حزب الشعب الجمهوري، وهو علماني، وحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد- إن التعديلات ستضع نهاية للتوازنات في مواجهة التأثير القويّ لأردوغان على الحكومة وهو التأثير الموجود بالفعل بدرجة كبيرة.

وقال كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري أثناء لقائه مع صحافيين في أنقرة حول مائدة مستديرة، “هذا تحديدا لن يكون استفتاء نزيها. نعلم أن الإعلام الموالي لأردوغان ستكون له سياسة للبث تتجاهل المعارضة تماما”. وأضاف أنه “سيجري تصوير الأمر على أننا نعمل ضد الدولة” مشيرا إلى أن 90 بالمئة من وسائل الإعلام في تركيا خاضعة للنفوذ الحكومي.

وللحصول على الأغلبية الكبرى في البرلمان لتنظيم استفتاء، يحتاج أردوغان إلى دعم نواب حزب الحركة القومية اليميني المتشدد، رابع أحزاب البرلمان. لكن وفيما يدعم أعضاء بارزون في الحزب على رأسهم زعيمه دولت بهشلي، التعديلات الدستورية، يرفضها جانب آخر من أعضاء الحزب، من بينهم ميرال أكسينير، العضو البارز والتي خسرت سباقا لرئاسته العام الماضي.

وكان أردوغان محبوب المجتمع الدولي، لكنه لم يعد كذلك الآن، وأثنى عليه البعض لقيادته تركيا نحو نمو اقتصادي مثير، وكبح جماح مؤسسة عسكرية لها تاريخ طويل من التدخل في السياسة التركية، والشروع في عملية سلام واعدة مع السكان الأكراد المتمردين في البلاد، غير أن إنجازات أردوغان يخيّم عليها الآن ميله الواضح نحو الاستبداد، والذي سيتكرّس بالتعديلات الدستورية التي ستمنحه صلاحيات مطلقة للتحكم في البلاد.

4