التعديلات القانونية لا تتلاءم مع انتظارات الكنداكات

السماح للسودانيات بالسفر رفقة أبنائهن يمنحهن مزيدا من الحرية ويقطع مع ممارسات الاضطهاد وانتهاك حقوقهن.
الأحد 2020/08/09
لا رجوع ولا تراجع مهما كان الطريق طويلا وشائكا

“حقنا كامل ما بنجامل.. المرأة شريك وما ديكور، لا تمييز ولا تخذيل”، هتافات نسائية لا يزال يتردد صداها في الشوارع السودانية للمطالبة بحقوق المرأة المسلوبة منها بموجب قوانين قمعية، ورغم إقرار حق الأم في اصطحاب أبنائها أثناء السفر إلى الخارج دون إذن زوجها وتجريم ختان الإناث، مؤخرا، تتطلع السودانيات نحو القضاء على جميع أشكال العنف المسلط عليهن والحد من معاناتهن.

أقدم السودان على تعديلات قانونية في خطوة تعكس رغبة رئيس الحكومة عبدالله حمدوك في الإيفاء بتعهداته حيال المرأة، حيث تم مؤخرا إلغاء عدد من المواد التي تحطّ من قدر وكرامة المرأة.

وتعهد حمدوك عند تشكيل حكومته بتحسين أوضاع المرأة رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، بعدما عُرف عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي استمر ثلاثين عاما بقوانين “تكرس التمييز ضد النساء”، وهو عهد تصفه معظم الناشطات بأنه كان الأعنف في تغييب المرأة وتهميشها.

وجاء ضمن التعديلات التي وقّع عليها مجلس السيادة الانتقالي في البلاد، تجريم ختان الإناث، إلى جانب “الإقرار بحق المرأة في اصطحاب أطفالها في حال السفر خارج السودان” دون موافقة الزوج وهو ما كان ممنوعا بموجب القانون السابق.

وكانت القوانين تشترط موافقة الزوج أو ولي الأمر على سفر المرأة خارج السودان، إذ ينص “نظام الولاية” على حاجة النساء لموافقة الرجال من الأقرباء، الزوج أو الأخ أو الأب أو الابن، للتعلم، وتجديد جوازات السفر، ومغادرة البلاد.

وكثيرا ما اشتكت سيدات سودانيات من معاناتهن مما يقع بحقهن من تمييز جراء لائحة السفر إلى الخارج التي تطبقها إدارة الجوازات والجنسية والهجرة، حيث كان عليهن إذا ما رغبن في السفر خارج البلاد الاستظهار بموافقة مكتوبة من ولي أمرهن، حتى وإن تطلب الأمر أن يكون هذا الولي الأخ الأصغر أو الابن، وكذلك كان عليهن الحصول على نفس الموافقة من الزوج في حال رغبن في اصطحاب أبنائهن.

وشكّل هذا القانون مأساة حقيقة لاسيما بالنسبة للأمهات المطلقات اللاتي يتم منعنهن من السفر رفقة أبنائهن مهما كان الأمر طارئا إلى أي دولة من دون حصولهن على إذن سفر موقّع من الزوج حتى لو كان غير مبال بأسرته.

منع المرأة السودانية من اصطحاب أبنائها أثناء السفر دون إذن مكتوب من الزوج قانون شكل مأساة حقيقية، لاسيما بالنسبة للأمهات المطلقات اللاتي يتم منعنهن من السفر رفقة أبنائهن مهما كان الأمر طارئا

كما ظهرت مخاوف من أن تبقى هذه التعديلات غير كافية لأن الولاية موجودة في قوانين الجوازات والهجرة واستخراج الأوراق الرسمية وسجل الوفيات والمواليد.

ويرى عصام محمد اتيم إدريس، أخصائي في علم النفس، “أن المرأة التي واجهت رفض الزوج اصطحابها لأبنائها عند السفر لاسيما لأهداف صحية تستوجب نقلهم خارج السودان وحصل لهم مكروه، فإنها تكون بذلك تعرضت لشكل من أشكال العنف والاعتداء والانتهاك العاطفي”.

ولفت اتيم إدريس في حديثه لـ”العرب” إلى أن “القوانين المعدلة التي كانت في السابق تجيز ختان الإناث وتمنع المرأة من حقها في اصطحاب أبنائها دون إذن الزوج عند السفر كان لها الكثير من الآثار النفسية والصحية الوخيمة على المرأة”.

وأضاف “أن جل القوانين تترك أضرارا نفسية حادة على المرأة وأن مسألة تعديلها أشبه بمحاولة علاج لحالة المرأة النفسية التي عادة ما يسيطر عليها الشعور بالقلق، والخوف، وعدم الثقة بالآخرين، والإصابة باضطرابات الذعر، إلى جانب أن الممارسات العنيفة التي تتعرّض لها المرأة تُساهم في التقليل من شعورها بقيمتها الذاتية وبالتالي تُضعف من ثقتها بنفسها”، مؤكدا أن المرأة بفضل التعديلات الجديدة بإمكانها أن تستعيد ثقتها في نفسها وأن تناضل في سبيل استعادة ما تبقى من حقوقها.

واعتبر أنه لن يكون من السهل على المرأة القطع بسهولة مع سنوات من القمع، بل “يجب أن يكون لديها الاستعداد النفسي للتأقلم مع وضعها الجديد دون الرجوع إلى الذكريات السابقة”.

وتابع “علاج هذه الآثار يستوجب مشاركة فاعلة من قبل محيطها الاجتماعي، فمثلا في حالة بعض السيدات المختونات على الزوج أن يتفهم كرهها للجنس بسبب الاعتداء الذي وقع عليها في طفولتها، وأن يسعى إلى تأهيلها نفسيا”.

وقال إن “هذه التعديلات خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح في سبيل إزالة كل المفاهيم البالية المكبلة للمرأة، فالقوانين الجديدة فرصة للنساء ليحظين بالحرية”، مشيرا إلى أن “العادات والتقاليد لعبت دورا كبيرا في المجتمع السوداني، حيث ينظر للمرأة على أن مكانها الطبيعي هو البيت وتربية الأبناء لكن هذه مفاهيم خاطئة، لأن النساء لهن نفس حقوق الرجال”.

وصرح وزير العدل السوداني نصرالدين عبدالباري أن الخطوة انطلقت من مبدأ المساواة بين الجميع لأن الرجل لا يكون بحاجة لإظهار موافقة الزوجة “وهذا يتعارض مع مبدأ المساواة ومبدأ حرية الحركة”.

ووصفت وزارة العدل خطوة تعديل القوانين بأنها “لبنة أساسية لبسط العدل في السودان وللترقي بمنظومة العدل السودانية لملاقاة المعايير العدلية الدولية”.

ولفت عبدالباري إلى أن هذه القضية تتصل بجوانب في قانون الأحوال الشخصية الذي كشف عن اتجاه لإلغائه وإقرار قانون بديل.

عمرو كمال خليل: تغيير قانون الأحوال الشخصية ضرورة ملحة فهو لا يراعي المرأة في أوضاع النزاعات المسلحة ولا يوافق حقوق الإنسان
عمرو كمال خليل: تغيير قانون الأحوال الشخصية ضرورة ملحة فهو لا يراعي المرأة في أوضاع النزاعات المسلحة ولا يوافق حقوق الإنسان

وكشفت الكثير من السودانيات أن التغيير الحقيقي رهين تعديل قانون الأحوال الشخصية المتسبب في معاناة الآلاف من النساء. متذمرات في العديد من المناسبات من بطء السلطات الجديدة في إحراز تقدم لتحسين وضعهن.

لا لقهر النساء

قالت تهاني عباس علي، مسؤولة المكتب القانوني لمبادرة “لا لقهر النساء” وعضوة اللجنة التنسيقة للتحالف السوداني لإنهاء زواج الطفلات، في حديثها لـ”العرب” إن “قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991 هو قانون مجحف ومنتهك لكرامة المرأة السودانية”، مشيرة إلى أن هذا القانون “يشتمل على مواد انتهكت ولا زالت تنتهك حقوق المرأة”.

وهناك قراءات كثيرة اعتبرت أن تعديل قانون الأحوال الشخصية ضرورة ملحة كان يجب أن يتم منذ زمن طويل، لأن بموجبه تقضي سيدات كثيرات سنوات في المحاكم بسبب القوانين المتعلّقة بالحضانة والزواج والطلاق.

وشدد عمرو كمال خليل، محام ومدافع عن حقوق الإنسان، خلال ندوة انتظمت على هامش مطالبات بتغيير قانون الأحوال الشخصية، على ضرورة تغيير هذا القانون الذي يرى أنه لا يوافق حقوق الإنسان والاتفاقيات من بينها اتفاقية سيداو المتوقع الانضمام إليها، بالإضافة إلى أنه لا يراعي أحكام الفترة الانتقالية، ولا يخدم المرأة لاسيما في أوضاع النزاعات المسلحة.

وأكد خليل في حديث سابق لـ”العرب” أن “مشاركة المجتمع المدني ووعيه هما أساس لتطور المفهوم الحديث ورفض ما سبق من تابوهات تقليدية”.

ولم يكف السودانيون عن المطالبة بتعديل كافة القوانين التي تحد من الحريات العامة وتحرير المرأة من سلسلة قوانين قمعية فرضها النظام السابق تصادر حرية المرأة وتضعها تحت ولاية الرجل في كل ما تقوم به.

وأكدت عباس أن “التعديلات لم تكن وليدة صدفة أو غزل من حكومة الفترة الانتقالية إنما حق يجب أن يوفى الالتزام به، إذ كانت الآلاف من النساء وقود ثورة ديسمبر المنتصرة وكانت عينهن وأملهن على التغيير الذي يصلح أحوالهن لذلك فإن تعديل القوانين المجحفة بحقهن هو حق”.

وأضافت “عمل المجتمع المدني السوداني منذ زمن بعيد على مناهضة زواج الفتيات وأخيرا توجت حكومة الفترة الانتقالية نضالات النساء والرجال السودانيين الذين يناهضون هذا القانون، وأيضا المادتين 121 و122 من الحضانة التي تمنع الأم من اصطحاب أطفالها للسفر إلا بموافقة الزوج”.

وكانت مبادرة “لا لقهر النساء” التي لعبت دورا مهما خلال الاحتجاجات السودانية، نشأت في عام 2009 للدفاع عن حقوق المرأة بعد اعتقال الصحافية السودانية التابعة للأمم المتحدة لبنى أحمد الحسين، لارتدائها بنطالا، وهو ما اعتبرته السلطات القضائية انتهاكا لقانون النظام العام القائم على الشريعة.

ولفتت مسؤولة المكتب القانوني للمبادرة إلى أن “الحكومة لم توف بكل التزاماتها تجاه قضية المرأة ولم تلتزم حتى بنص الوثيقة الدستورية التي تنص على نسبة 40 في المئة في كل هياكل الحكم، ولم توقع على الكثير من المعاهدات والالتزامات الدولية التي تناصر المرأة مثل سيداو واتفاقية مابوتو وهكذا، وأيضا لم تلتزم تجاه المشاركة السياسية للمرأة كل هذا يجب أن تصحح فيه الحكومة مسارها وتوفي بالتزاماتها تجاهنا”.

وشهد السودان الذي يعد من الدول القليلة التي لم توقع على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، في أكتوبر الماضي جدلا واسعا بسبب اعتزام الحكومة الانتقالية الانضمام إلى جميع الاتفاقيات الدولية.

استكمال المشوار

السودانيات قررن بعد الثورة مواصلة الطريق للحصول على حقوقهن
السودانيات قررن بعد الثورة مواصلة الطريق للحصول على حقوقهن

 على ما يبدو فإن السودانيات قررن بعد الثورة مواصلة الطريق للحصول على حقوقهن، التي يرين أنها هضمت عبر عقود طويلة، حيث تباينت ردود الفعل على تويتر حيال إجازة حق المرأة في اصطحاب أطفالها في السفر، وحول أهم الأولويات التي تتمناها المرأة السودانية من الحكومة.

وغردت إسلام بابكر نور، طالبة وناشطة حقوقية، قائلة “يا سيادة الوزير أرجو أن تكون هناك أيضا قوانين تجرم زواج القاصرات ومحاسبة كل بيدوفيلي (من لديه ميولات جنسية مع الأطفال) وإصلاح القوانين المقيدة لحرية النساء”.

وترى إسلام أن وضع المرأة وحياتها في السودان صعبة للغاية بسبب النظام الأبوي المسيطر على الوضع من كافة النواحي، “فالمرأة السودانية مقيدة من قبل كل الأنظمة والعادات والتقاليد”.

إذ أن التمييز ضد النساء في المجال المهني والتنمية كان السمة العامة في المجتمع، وبتبني الإطار القانوني المعتمد على الشريعة الإسلامية تم تكريس المزيد من التمييز ضدهن مع صعوبة حصولهن على فرص للدفاع عن قضاياهن بالمحاكم وتحقيق العدالة. ويتم كل ذلك في ظل غياب تام لسياسات التمكين الاقتصادي للمرأة وسيادة المنظور الاجتماعي الذي يرسخ تبعيتها للرجل داخل العائلة وفي المجتمع ويسعى لتقييد حريتها.

وتابعت إسلام في حديثها لـ''العرب" “أن الحكومة الجديدة لابد أن تسعى لإنهاء كل القوانين المقيدة للحريات”، معتبرة أن “التعديلات القانونية الجديدة بسيطة ولا ترد الجرائم التي يمارسها المجتمع والنظام الأبوي في حق المرأة”.

ولفتت إلى ضرورة أن “تعمل الحكومة على إزالة كل التشويه في القوانين.. إذا لم يتم إزالته فإن كل هذه التعديلات القانونية تبقى مجرد حبر على الورق”.

وأضافت “الثورة السودانية أنجزتها الكنداكات، لذلك لابد أن يسترددن حقوقهن وعلى الحكومة والشعب أن يساهما في ذلك وأن يتم إعادة النظر في القوانين”، مؤكدة أن “الوعي هو الحل لكل هذه التشوهات لرد كل الحقوق للمرأة”.

عصام محمد أتيم إدريس:  المرأة التي واجهت رفض الزوج اصطحابها لأبنائها عند السفر تكون بذلك تعرضت لشكل من أشكال العنف
عصام محمد اتيم إدريس:  المرأة التي واجهت رفض الزوج اصطحابها لأبنائها عند السفر تكون بذلك تعرضت لشكل من أشكال العنف

وأفادت “في منطقتي يتم تزويج الفتيات من عمر 13 سنه ولا قانون يجرم ذلك ولا أحد يستطيع أن يتحدث في الأمر، كل من تزوجت وهي قاصر حاليا مطلقة، ما لم يتم وضع قوانين رادعة ويتم تجريم زواج القاصرات وإلغاء كافة القوانين المقيدة لحرية المرأة ونشر الوعي لن ينتهي كل هذا الظلم الواقع على المرأة”.

وختمت إسلام بالقول إن “الثورة السودانية ثورة عظيمة، لذلك سنسعى بكل جهدنا إلى أن ندفع عن أنفسنا كل المظالم”.

وقامت الحكومة الجديدة، في نوفمبر الماضي، بإلغاء قانون يعرف بقانون النظام العام كانت المرأة تتعرض بموجبه إلى انتهاكات واسعة لحقوقها، إذ أنه يتدخل لفرض الرؤية الأصولية على حركة النساء وتواجدهن في الشارع.

وبحسب منظمات حقوقية، تعرضت الآلاف من النساء للجلد بموجب هذا القانون المطبّق في السودان منذ عام 1996 والذي يقيّد الحريات العامة والفرديّة، وينصّ على عقوبات مشدّدة مثل الجلد والسجن لفترات تصل لخمس سنوات وغرامات مالية كبيرة، وذلك لشتى الأسباب مثل ارتداء ملابس “فاضحة”.

كما أعلنت وزارة العدل السودانية في بيان، يوليو الماضي، مصادقة مجلس السيادة الانتقالي في البلاد أيضا على قانون يجرّم ختان الإناث.

غير أن قوانين أخرى مجحفة بحق المرأة لا تزال سارية المفعول، وفي طليعتها القانون الجنائي المتعلق بـ”الزي الفاضح”، إلى جانب عدم تجريم زواج القاصرات، كما يشترط الولي للزواج دون أن يشترط رضا المرأة.

خطوة نحو استرضاء المرأة

وتعتبر عباس أن “المادة 40 التي تنص على السماح بتزويج الطفلة في عمر 10 سنوات، هي أبشع مادة فهي شائعة ومعيبة أدت بحياة الآلاف من الفتيات اللواتي تزوجن في سن صغيرة وأيضا حرمت الآلاف من الحصول على تعليم والحرمان من الحق في اللعب فهذا القانون أقعد الكثيرات من ركب التنمية الاقتصادية والاجتماعية”. وشددت على أنه “لا يزال هناك الكثير من العراقيل منها عدم توفر الإرادة السياسية وأيضا العقليات الذكورية وبعض الثقافات التي لم تنصف النساء”.

وأظهر تعيين حكام الولايات الـ(18)، مؤخرا، ضعف الحضور النسوي وتكريس ممارسة تهميش دور المرأة ومشاركتها، وهو ما دفع بعض الناشطين المدنيين إلى القول بأن التعديلات الأخيرة كانت خطوة نحو استرضاء النساء لتبرير ضعف تمثيلهن في مواقع صنع القرار.

ونتيجة لذلك توجهت المئات من النساء، الأحد الماضي، إلى مقر مجلس الوزراء للمطالبة بمنحهن كامل الحق في المشاركة بهياكل السلطة الانتقالية.

لكن رغم حرص حمدوك على إشراك المرأة في تشكيلته الحكومية، حيث عهد إلى النساء بأربع وزارات من أصل 17، من بينها وزارة الخارجية، ترى بعض الناشطات أنه تمثيل ضعيف لا يسمح بوجود عدد كبير من المهتمات بقضايا المرأة وأن الطريق لا يزال طويلا وشائكا أمام السودانيات لتغيير الأطر القانونية التي أغفلت لوقت طويل حقوقهن وسلبتهن إياها.

20